الخطب الأربع - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٩ - الخطبة الأولى
معالجين، ورجالًا صالحين ومصلحين، وأطباء ماهرين، نبياً بعد نبي، وولياً أثر ولي، وصالحاً تلو صالح، يهدون ويرشدون، ويعاجلون ويعالجون ... فلم ينفع ذلك في البشر إلَّا ما شذَّ وندر، والشر على ما كان عليه.
أبتعثت العناية نوحاً، وهو شيخ الأنبياء وأب الرسل، فخاطبهم بلغتهم، وأبلغ في الدعوة، وأقام عمراً طويلًا- ألف سنة إلَّا خمسين عاماً- ليهتف فيهم ليلًا ونهاراً وسراً وجهاراً، داعياً إلى الصلاح والإصلاح، فلم يؤثر فيهم شيئاً. وكان عاقبة كل ذلك الطوفان، وما أستجاب له ونجا معه إلَّا نفر قليل.
جاء إبراهيم، وتلاه اسحاق ويعقوب، ثم جاء موسى- وهو بطل الأنبياء والقوي الأمين- وأعتضد بالمعجزات الباهرات، من العصا وفلق أليم وأمثالها، فكانت نتيجة بني إسرائيل [فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ]. وأعظم من ذلك عبادة العجل والتخبط أربعين سنة في التيه.
ثم آل الأمر إلى عيسى الذي يدعونه بالمخلص، فأراد أن يخلص البشرية من رذائلها فلم يفلح ولم يصنع شيئاً، وأصبحت أمته اليوم شر أمم العالم وأشدها في الظلم والقسوة .. ثم كان عاقبة أمره الصلب.
كل ذلك والبشرية يتفاقم شرها، ويتعاظم بلاؤها .. إلى أن نفخت العناية بجوهرتها المكنونة، ولطيفتها المخزونة .. أرسل إليهم الحكيم الأعلى والطبيب الألهي الذي ما فوقه طبيب، أرسل إليهم سيد الرسل محمد بن عبد الله (ص)، فشخّص داءها ودواءها، وعرف العلاج الشافي لها، والدواء الناجع القالع لجرثومة أمراضها.
عرف إن الداء العضال والمرض القتّال إنما هو التفرقة الناشئة من توغل الأنانيات والعصبيات الباعثة على التفاخر ثم التنافر فالتقاطع والتدابر .. فدك العنصريات، وسحق القوميات، واستهلك العصبيات، فصرخ الوحي على لسانه [يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]، [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا]. ثم زاد وأوضح البيان فقال: