حرمة ذبائح أهل الكتاب - الشيخ البهائي - الصفحة ٦٦ - احتجاج المذاهب الأخرى
بوجوه [١]:
الأول: إن الأصل في الأشياء الحل حتى يثبت التحريم، و لم يثبت.
الثاني: قوله تعالى وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعٰامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [٢]، و الطعام يشمل اللحم و غيره، و لذا فسره أهل اللغة كالجوهري و غيره مما يؤكل [٣]، و حمله في الآية على الحبوب و الفواكه و نحوهما مما لا يحتاج إلى التذكية يدفعه الإضافة إلى أهل الكتاب، إذ حبوب جميع أصناف الكفار و فواكههم حلال، فالتخصيص لأهل الكتاب لا وجه له، فالآية قاطعة بجواز أكل ذبائحهم، و أما التنافي بينهما و بين قوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا مِمّٰا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّٰهِ عَلَيْهِ [٤] فيمكن دفعه بوجهين:
الأول: أن يحمل الموصول على الميتة، كما رواه ابن حاتم عن ابن عباس [٥]، و يدل عليه أيضا قوله تعالى في هذه الآية:
[١] يراجع الفقه على المذاهب الأربعة ج ٢ ص ٢١- ٢٣ كتاب الحظر و الإباحة.
[٢] سورة المائدة، آية: ٥.
[٣] تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي. المجلد الثامن ص ٣٧٨. و المؤلف هو محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الزبيدي (١١٤٥- ١٢٠٥ ه)، لغوي، نحوي، محدث، أصولي، أديب، ناظم ناثر، مؤرخ، نسابة، مشارك في عدة علوم. أصله من واسط في العراق، و مولده في بلجرام في الشمال الغربي من الهند، و منشأه في زبيد باليمن. رحل إلى الحجاز، و أقام بمصر، فاشتهر فضله، و توفي بالطاعون في مصر في شعبان. من تصانيفه الكثيرة: تاج العروس في شرح القاموس في عشر مجلدات، الروض المعطار في نسب السادة آل جعفر الطيار، و غير ذلك (معجم المؤلفين ج ١١ ص ٢٨٢).
[٤] سورة الأنعام، آية: ١٢١.
[٥] ذكر السيوطي: «اخرج الطبراني و غيره عن ابن عباس قال: لما نزلت- و لا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللّٰه عليه- أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدا فقولوا له:
ما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، و ما ذبح اللّٰه بشمشار من ذهب، يعني الميتة فهو حرام، فنزلت هذه الآية- وَ إِنَّ الشَّيٰاطِينَ لَيُوحُونَ إِلىٰ أَوْلِيٰائِهِمْ لِيُجٰادِلُوكُمْ- قال الشياطين فارس و أولياؤهم قريش (لباب النقول ص ١٠٢).
و في تفسير ابن عباس قال وَ لٰا تَأْكُلُوا مِمّٰا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّٰهِ عَلَيْهِ من الذبائح عمدا وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ يعني أكله له بغير الضرورة معصية و استحلاله على إنكار التنزيل كفر وَ إِنَّ الشَّيٰاطِينَ لَيُوحُونَ إِلىٰ أَوْلِيٰائِهِمْ يوسوسون أوليائهم أبا الأحوص و أصحابه لِيُجٰادِلُوكُمْ يخاصموكم في أكل الميتة و الشرك و أن الملائكة بنات اللّٰه وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ في الشرك و أكل الميتة فاحللتموها غير مضطرين إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ مثلهم (تنوير المقباس ص ٩٤).