اصول البحث - الفضلي، الشيخ عبد الهادي - الصفحة ٢٢٨ - غلو الطوفي في المصالح المرسلة
الحديث لأن البخاري و مسلما أدركاه و لم يرويا عنه، مع أنهما لم يدركا إماما إلا رويا عنه، حتى احتاج الإمام فخر الدين و التميمي في تصنيفيهما مناقب الشافعي إلى الإستدلال على هاشميته، و حتى جعل كل فريق يروي السنّة في تفضيل إمامه، فالمالكية رووا: «يوشك أن تضرب أكباد الإبل و لا يوجد أعلم من عالم المدينة» . قالوا: و هو مالك، و الشافعية رووا: «الأئمة من قريش، تعلموا من قريش و لا تعالموها» ، أو «عالم قريش ملأ الأرض علما» ، قالوا: و لم يظهر من قريش بهذه الصفة إلا الشافعي و الحنفية، رووا: «يكون في أمتي رجل يقال له النعمان هو سراج أمتي، و يكون فيهم رجل يقال له محمد بن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس» . و الحنابلة رووا: «يكون في أمتي رجل يقال له أحمد بن حنبل يسير على سنتي سير الأنبياء» أو كما قال فقد ذهب عني لفظه» .
«و قد ذكر أبو الفرج الشيرازي في أول كتابه المنهاج «و اعلم أن هذه الأحاديث ما بين صحيح لا يدل، و دال لا يصح. أما الرواية في مالك و الشافعي فجيدة لكنها لا تدل على مقصودهم لأن عالم المدينة إن كان اسم جنس فعلماء المدينة كثير و لا اختصاص لمالك دونهم، و إن كان اسم شخص فمن علماء المدينة الفقهاء السبعة و غيرهم من مشايخ مالك الذين أخذ عنهم و كانوا حينئذ أشهر منه، فلا وجه لتخصيصه بذلك و إنما حمل أصحابه على حمل الحديث عليه كثرة أتباعه و انتشار مذهبه في الأقطار، و ذلك إمارة على ما قالوا، و كذلك الأئمة من قريش لا اختصاص للشافعي به، ثم هو محمول على الخلفاء في ذلك، و قد احتج به أبو بكر يوم السقيفة، و كذلك تعلموا من قريش لا اختصاص لأحد به» .
«أما قوله: «عالم قريش يملأ الأرض علما» فابن عباس يزاحم الشافعي فيه، فهو أحق به لسبقه و صحبته و دعاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في قوله: «اللهم فقهه في الدين و علمه التأويل» فكان يسمى بحر العلم و حبر العرب، و إنما حمل الشافعية الحديث على الشافعي لإشتهار مذهبه و كثرة أتباعه، على أن مذهب ابن عباس مشهور بين العلماء لا ينكر» .