اصول البحث - الفضلي، الشيخ عبد الهادي - الصفحة ٢٢٥ - الإستدلال بحديث لا ضرر
عليه، و قد سبق بيان السر في ذلك في بحوث التمهيد و غيرها.
و النسبة هنا بين حديث لا ضرر و أي دليل من الأدلة الأولية، هي نسبة العموم من وجه، فوجوب الوضوء مثلا، بمقتضى إطلاقه شامل لما كان ضرريا و غير ضرري، و أدلة لا ضرر شاملة للوضوء الضرري و غير الوضوء، فالوضوء الضرري مجمع للحكمين معا، و مقتضى القاعدة التعارض بينهما و التساقط، و لا وجه لتقديم أحدهما على الآخر لأن نسبة العامين إلى موضع الإلتقاء من حيث الظهور نسبة واحدة.
و الظاهر أن الطوفي-بحاسته الفقهية-أدرك تقديم هذا الدليل على الأدلة الأولية و إن لم يدرك السر في ذلك.
و السر هو ما سبق أن ذكرناه من حكومة هذا النوع من الأدلة على الأدلة الأولية لما فيه من شرح و بيان لها، فكأنه يقول بلسانه إن ما شرع لكم من الأحكام هو مرفوع عنكم إذا كان ضرريا، فهو ناظر إليها و مضيق لها.
و ما دام لسانه لسان شرح و بيان فلا معنى لملاحظة النسبة بينه و بين غيره من الأدلة.
٢- اعتقاده أن بين الضرر و المصلحة نسبة التناقض، و لذلك رتب على انتفاء أحدهما ثبوت الآخر لإستحالة ارتفاع النقيضين مع أن الضرر معناه لا يتجاوز النقص في المال أو العرض أو البدن و بينه و بين المصلحة واسطة، فالتاجر الذي لم يربح في تجارته و لم يخسر فيها لا يتحقق بالنسبة إليه ضرر و لا منفعة فهما إذن من قبيل الضدين اللذين لهما ثالث، و متى حصلت واسطة بينهما فانتفاء أحدهما لا يستلزم ثبوت الآخر، و على هذا المعنى يبتنى ثبوت المباح، و هو الذي لا ضرر و لا مصلحة فيه.
و إذن فانتفاء الضرر هنا لا يستلزم ثبوت المصلحة، و من هنا قلنا: أن حديث لا ضرر رافع للتكليف لا مشرع، فهو لا يتعرض إلى أكثر من ارتفاع الأحكام الضرورية عن موضوعاتها، أما إثبات أحكام أخر فلا يتعرض لها، و إنما المرجع فيها إلى أدلتها الأخرى.