عيون الحكمة - ابن سينا - الصفحة ٤٥ - (الفصل السادس عشر فى الإنسان)
إذا حلّ جسما و عرض له الانقسام لا يخلو من أن تؤدى القسمة إلى الانفصال إلى تلك المعانى، أو لا تؤدّى. فان كان تؤدّى تعرض منه محالات: من ذلك أن يكون بغير وضع القسمة موجبا لتغيّر وضع المعنى فيه؛ و من ذلك أن يحتمل المعنى الانقسام إلى مبادئ معقولة غير متناهية؛ و من ذلك أن يكون من حيث هو واحد غير معقول، لأنه من حيث هو واحد غير منقسم. و أجزاء الحدّ ليس تكفى فيها الوحدة بالاجتماع، بل وحدة إيجاب طبيعة واحدة و [١٧ ا] من حيث هو ذلك الواحد معقول، و من حيث هو ذلك الواحد غير منقسم. فمن حيث هو ذلك غير منقسم، و من حيث يكون فى الجسم منقسم. فاذا ليس من حيث هو معقول فى الجسم البتة، و لأن الماهية المشتركة بين الأشخاص تتجرّد عن الوضع و سائر اللواحق، و إما أن تكون مجردة عن الوضع فى وجود الخارج، أو فى وجود العقل، أو فى كليهما، أو لا فى واحد منهما. فان كان وجوده فى الوضع فى كليهما فإذن ليس يتجرّد عن الوضع البتة، أعنى الوضع الخاصّ.
لكنّا فرضنا أن له تجرّدا من حيث هو مشترك فيه عن الوضع الخاص، أو يكون لا فى واحد منهما- و هذا كذب لأنه ذو وضع فى الأعيان؛ أو يكون ذا وضع فى العقل و ليس ذا وضع فى خارج- و هذا أيضا كذب. فبقى أن لا يكون له وضع فى المعقول و له وضع فى الخارج. فان تصوّر به الجسم فى المعقول كان له أيضا وضع فى المعقول- و هذا محال. و أيضا فإنه ليس لشىء من الأجسام قوة أن يطلب أو يفعل أمورا من غير نهاية. و المعقولات التي للعقل أن يعقل أيّها شاء كالصورة العددية و الشكل و غير ذلك بلا نهاية. فاذن هذه القوّة ليست بجسم، لأن لكل [١] جسم قوّته الفعلية متناهية ليست أعنى الانفعالية، فإن ذلك لا يمتنع.
[١] لكل: كذا فى ص، ر، ح، و فى ب: كل جسم.