أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٩٣ - محمد همام البغدادي محمد أكبر خان
ليبلوا فيه إلى آخر نفس من أنفاسهم فتذهب أرواحهم غالية فأدرك أكبر بحكمته مرادهم فلم يرسل إليهم رجاله وأرسل عليهم الفيلة فمزقتهم وفتح المدينة سنة ١٥٦٨ م وفي سنة ١٥٦٩ م فتح رانتابور ثم كالنجار وفي سنة ١٥٧٠ م قدم له الطاعة راجا مارفار ثم راجا بيكانير وبعد ذلك ببضع سنين انتقض راجا مارفار فزحفت إليه جيوش دهلي وفتحت قلعة بلاده سيفانا سنة ١٥٧٦ فانضم كثير من الراجاوات إلى رآنا نشيتور وناشبوا سلطان دهلي الحرب ولم تبرح نارها متقدة إلى سنة ١٦١٤ إذ قدم آمراسينغ بن يرتاب سينغ رآنا تشيتور الطاعة لسلطان الاسلام فأعيد إليه ملكه وظل اعقابه مالكين هناك ما وصفه به الإفرنج ويقول مؤرخو الهند من الإفرنجة ان سلطان دهلي عرف كيف يستولي على راجاوات الهند ويستأسر قلوبهم لأنه كان شهما وفيا عالي الجناب تام المروءة حفيظا للعهود ملاكا للأفئدة بشرف خصاله ونبل فعاله وكانت هذه البيوتات المالكة في آمبر ومارفار وبيكانير الأمثلة العليا في النبالة والأصالة وحب المجد ووفاء الذمة فلما شاهدوا من السلطان أكبر ما شاهدوه من المكارم والمعالي محضوه خالص الود وبايعوه من صميم القلب وبذلوا من دونه أرواحهم ووقفوا على مناصحته غدوهم ورواحهم فاستخلصهم هو لنفسه وعول عليهم في مهماته وانتدب منهم للمناصب العلية وعمر بهم وبأبنائهم الأبواب السلطانية ورجحهم على رهطه المغول وجعلهم رداء له في المواقف لا سيما راجا آمير المسمى بيهارى مال وولده باخفان داس وحفيده مان سينغ الذي كان أخا لأكبر في الرضاع وكان راجا آخر اسمه نوادر مال لأكبر اليد اليمنى في أعماله فقلده نظارة المالية ثم ولاية بنغالة. ولما مات بكاه بكاء الأخ لأخيه.
سياسته في الزواج بين المغول والهنود ولأجل زيادة التأليف بين الهنود والمغول أشار أكبر بتزويج بعضهم من بعض وبدأ في ذلك بنفسه فعقد لنفسه نكاح أخت الراجا باخفان داس، ولولده جهانكير على حفيدة راجا مارفار وزوج كثيرين من امراء المغول أميرات من الأسر المالكة في بيكانير واجمير ووشج علائق النسب بين الدولة التيمورية والدول البرهمية فتوطدت دولته وامن شر العواقب فتحه سائر ممالك الاسلام في الهند وبسبب راحة فكره من جهة الهنود امكنه ان يستصفي ما كان بقي في الهند من ممالك الاسلام فاسر شاة كوجرات سنة ١٥٧٣ م وضم مملكته إلى سلطنة دهلي واستلحق أيضا بنغالة سنة ١٥٨٠ م وكشمير سنة ١٥٨٦ والسند سنة ١٥٩٢ وكان الدكان لا تزال مقسمة إلى خمس ممالك كما ذكرناه في ترجمة إسماعيل بن يوسف عادل شاة الا ان الملك احمد ناغار فتح مملكة بيدار سنة ١٥٧٢ وضمها إلى ملكه فنزل عدد تلك الممالك إلى أربع وصارت مملكة احمد ناغار قوة خطيرة فاعتزم أكبر فتحها سنة ١٥٩٥ وكان على رأس هذه المملكة ملكة من خوارق الدهر في العزم والحزم والاقدام اسمها شانده الملقبة ببيضاء الدكان فردته عن مملكتها مكفوحا ولم يقدر على احمد ناغار الا بعد موت هذه الملكة القهرمانة فاستلحق مملكة احمد ناغار سنة ١٦٠٠ م واضطرب سائر ملوك الدكان خوفا فهرعوا إلى دهلي مقدمين الطاعة.
حسن ادارته للسلطنة وسياسته ومات أكبر سنة ١٦٠٥ م بعد ان ملأ الهند ماثر ومفاخر وأدار السلطنة إدارة قل من سدد لمثلها في الأوائل والأواخر لأنه إلى زمانه كانت سلطنة الهند غير مبنية على قواعد ثابتة ولا سائرة بأنظمة مقررة بل كان السيف وحده حكما وكانت الثورات متصلة وأهواء الاشخاص هي الغالبة فسير أكبر دولته هذه على أصول إدارة جديدة فارسية مغولية غاية في الضبط والدقة ورفع استبداد الامراء وأزال الفوضى من البلاد وجذب إلى الأبواب السلطانية أولئك الامراء والملوك الذين كانوا يستبدون بالرعايا فأرضاهم وأراح الرعايا من ضررهم وشكل الدولة على النسق الحالي المتبع بهذا القوت في المعالم فهناك الوكيل اي رئيس النظار ثم الوزير وهو ناظر المالية وخان قانان اي ناظر الحربية وكان عنده ناظر البلاط السلطاني وناظر العدلية وكان اسمه الصدر. وغير ذلك من المناصب واما البلاد فكانت ١٨ ولاية كبرى كل منها تنقسم إلى ما يشبه اليوم الألوية وكانت الإدارة الملكية في أيدي الفرس والجيش بأيدي المغول والهنود وعدد الجيش الدائم ١٤٠ ألفا وهذا شئ غير معهود في ذلك الوقت واما دخل الخزانة السلطانية فكان نحو ١٠٠ مليون جنيه وهذا أيضا شئ هائل بالنسبة إلى ذلك الزمن جهله القراءة والكتابة في كتاب حاضر العالم الاسلامي: ومن غرائب ما روت دائرة المعارف الاسلامية الفرنساوية عن هذا السلطان الذي كانت كل حياته غرائب انه كان يجهل القراءة والكتابة وقالت إن ذلك عجيب في بيت مثل بيتهم موروئة فيه الكتاب وآداب اللغات خلفا عن خلف ويظهر انه لما كان أبوه معروفا بضعف العزيمة ثم مات وهو يافع لم يحسنوا تعليمه الكتابة وانه لما بلغ سن الرشد ثم شب واكتهل أهمل عمدا تعلم الكتابة إذ ليس يمكن تعليل ذلك بصورة أخرى ولعل أكبر آثر التعلم بالمشافهة والكلمة الحية حسن معاملته للهنود وعامل أكبر الهنود برفق عظيم ورفع عنهم ضروب الإهانات ويقول مؤرخو الإفرنجة ان أكبر لم يبال بما يفرضه الاسلام من إهانة الكافر وإذلاله وامتهانه وانه نسخ تلك العادات ولم يعامل الهنود معاملة الغالب للمغلوب رد الأمير شكيب من غمزوا الاسلام وهنا رد الأمير شكيب هذا الغمز للاسلام فقال: ومن جملة من غمزوا الاسلام هذه الجهة رينيه غروسه صاحب تاريخ آسية. ونحن نقول إن أكبر أحسن صنعا لأنه ما يخدم ملك الاسلام ملته بمثل العدل والله تعالى يقول ولا يجرمنكم شنان قوم على أن لا تعدلوا وبقول وإذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل وظاهر انه ينهى عن ظلم العدو لكونه عدوا ولا يخصص العدل بالحكم بين المسلمين فإن كان من امراء المسلمين من لم يعمل بهذه المبادئ فهو إما عن جهل بروح الاسلام أو عن هوى واستخفاف بأوامر الله ونواهيه كما يوجد في كل الملل وانما نحن نود لو كان رينيه غروسه وأمثاله ينصحون حكوماتهم الأوربية ومن جملتها فرنسا بان لا يعاملوا أهل المستعمرات معاملة الغالب للمغلوب ولا يرهقوا الجزائريين وغيرهم بضروب الإهانة ويحرموهم المساواة في الحقوق مع الأوربيين فان فاتحي الهند من المسلمين كان عذرهم ممهدا نوعا من الازدراء بالهنود بعد ما رأوا من عبادتهم للأصنام واحراق النساء أنفسهن لموت بعولتهن وغير ذلك