أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٠٣ - ناصر البويهي ناصر الدين كوثراني ناصر متوج البحراني ناصر الجارودي ناصر القبادياني البلخي
الروسية. وقد كانت مرو شاة جهان عاصمة السلاطين السلاجقة ردحا من الزمن. وذكر المترجم تاريخ ميلاده في البيت التالي من شعره الفارسي:
بگذشت ز هجرت بس سيصد نود وچار * بنهاد مرا مادر بر مركز اغبر فهو خراساني الأصل بلخي المنشأ، وكانت أسرته من الأسر الغنية ذات الترف والشرف والأملاك الواسعة والعقارات الوفيرة في قباديان وبلخ وقد سكن كثير من أفرادها بلخ وكانوا من كبار الملاكين وأصحاب الثراء والمزارع والضياع والبساتين فيها، وكانوا على اتصال مستمر بالملوك والامراء. وقد اهتم والد المترجم بتربية ابنه وتعليمه منذ نعومة أظفاره. فحفظ القرآن وهو لم يبلغ بعد التاسعة من العمر ودرس اللغة العربية وآدابها والعلوم الاسلامية وفنونها وعلوم النجوم والفلك والحساب والهندسة والجبر وتضلع في الفلسفة وبخاصة الفلسفتين اليونانية والاسلامية بحيث اطلق عليه اسم الحكيم وتفقه في الدين وبالأخص في المذهب الإسماعيلي الفاطمي وتفوق في العلوم العقلية والنقلية والحكمة الإلهية والمنطق وكانت له اليد الطولى في الطب والموسيقي. وكان شاعرا فحلا في الفارسية. كما كان يتقن فن التصوير ويتبع آثار السلف ويبحث في أصول الملل والنحل والأديان والمذاهب وله دراسات في أديان الهند والصابئة والمانوية و اليهودية والنصرانية والمجوسية.
وقبيل بلوغه السادسة والعشرين من عمره التحق ببعض الوظائف الديوانية العالية في بلاطي كل من السلطان محمود الغزنوي وابنه السلطان مسعود الغزنوي ثم في ديوان أبو سليمان جفري بك داود بن ميكائيل بن سلجوق من امراء السلاجقة الذين استولوا على بلخ سنة ٤٣٢ وكانت تعهد إليه في الغالب الشؤون المالية في البلاد. وانتقل المترجم من بلخ إلى مرو التي كان يحكمها أبو سليمان المذكور وكان من المقربين للسلاطين والامراء فيجالسهم ويحضر محافل انسهم وطربهم. وكان السلطان يسميه عادة خواجة خطير، وكان يعد من أثرياء زمانه، وقضى عهد شبابه كله متنقلا من وظائف دواوين وبلاطات الملوك والسلاطين والامراء حتى بلغ الثالثة والأربعين من عمره حيث اعتزل الوظائف اثر رؤيا حلم بها: وهي انه رأى فيما يرى النائم من يدعوه إلى ترك شرب الخمر التي كان يدمنها، والبحث عن الحقيقة والتزهد في الحياة والقيام برحلة إلى مكة لأداء فريضة الحج.
لذلك ترك الإقامة في موطنه واعتزم القيام برحلات في بعض الأمصار قاصدا فيها مكة يرافقه اخوه أبو سعيد خسرو العلوي وغلام هندي.
ففي الثالث من شهر شعبان ٤٣٧ ترك مرو وسافر إلى إقليم أذربيجان مارا بنيسابور ودامغان وسمنان والري وقزوين ثم تبريز حاضرة إقليم أذربيجان حيث وصلها في ٢٠ صفر سنة ٤٣٨ وكان أميرها سيف الدولة أبو منصور وهودان بن محمد مولى أمير المؤمنين وبعد ان مكث فيها مدة من الزمن بارحها إلى مرند وخوى وانتقل منها إلى بعض مدن أرمينية مثل وان واخلاط وبطليس وآمد ومنها سافر إلى آسية الصغرى ثم حران والبلاد السورية ومر بمعرة النعمان حيث كان أبو العلاء المعري حيا فيها ولكنه لم يجتمع به. وزار حلب وطرابلس الشام وصيدا وصور وبيروت ودمشق ومنها سافر إلى القدس التي وصلها في الخامس من شهر رمضان ٤٣٨ ومكث فيها مدة تنوف على الشهرين وفي حوالي منتصف شهر ذي القعدة من السنة نفسها رحل منها إلى مكة لأداء فريضة الحج. وبعد الانتهاء منها عاد إلى القدس فوصلها في الخامس من المحرم سنة ٤٣٩ ومنها سافر إلى طينه برا ثم إلى القيروان في تونس بحرا ومنها سافر إلى القاهرة فوصلها في السابع من شهر صفر ٤٣٩ فمكث فيها مدة تناهز ثلاثة سنوات حج خلالها مرتين اخريين إلى بيت الله الحرام وزار في إحداها المدينة المنورة.
وفي يوم الثلاثاء ١٤ ذي الحجة سنة ٤٤١ خرج من القاهرة متجها نحو الحجاز بالسفينة بطريق نهر النيل مارا بأسيوط التي مكث بها مدة عشرين يوما ومنها سافر إلى أسوان التي تركها في الخامس من شهر ربيع الأول سنة ٤٤٢ نحو عيذاب الميناء السوداني على البحر الأحمر التي وصلها في الثامن من ربيع الأول سنة ٤٤٢ ومكث فيها مدة ثلاثة أشهر ومنها رحل إلى مكة حيث أقام بها إلى أن حان موسم الحج مؤديا فيه فريضته للمرة الرابعة في ذي الحجة من سنة ٤٤٢ وبارح مكة في ١٩ ذي الحجة من السنة ذاتها إلى الطائف ومنها رحل إلى تهامة واليمن والاحساء التي شاهد فيها تشكيلات القرامطة وسافر منها إلى البصرة التي وصلها في العشرين من شهر شعبان ٤٤٣ وكان يحكمها ابن أبا كاليجار الديلمي.
وقد أقام بها حتى منتصف شهر شوال سنة ٤٤٣ حيث بارحها إلى عبادان ثم ميناء مهروبان على ساحل الخليج الفارسي ومنها إلى مدينة أرجان في إقليم فارس بجنوب إيران. وفي أول المحرم من سنة ٤٤٤ رحل منها إلى أصفهان فوصلها في الثامن من شهر صفر من هذه السنة وغادرها في ٢٨ من الشهر نفسه واتجه نحو نائين وطبس وتون بشمالي شرقي إيران ووصل محلا يدعى الرقة ومنها سافر إلى تون ومنها إلى قاين التي وصلها في ٢٣ ربيع الثاني عام ٤٤٤ ومكث فيها مدة شهر واحد ثم رحل منها إلى سرخس وبارحها نحو مرو الرود ثم رحل منها إلى بلخ التي وصلها بصحبة أخيه أبو سعيد في السادس والعشرين من جمادى الأخرى سنة ٤٤٤ واجتمع فيها بأخيه الآخر أبو الفتح عبد الجليل الذي كان من كبار موظفي بلاط السلاجقة، وقد بلغ المترجم عندئذ من العمر خمسين عاما، وقطع في رحلته هذه التي طالت سبع سنوات مسافة ٢٢٢٠ فرسخا.
وقد لقي ناصر خسرو في هذه الرحلة أهوالا جساما ومشاق كثيرة ومتاعب وفيرة خاصة أثناء اجتيازه جزيرة العرب، وقد ذكرها كلها في رحلته المعروفة باسم سفر نامه ناصر خسرو التي ضمنها وصفا ضافيا لما شاهده في هذه الرحلة من مدن وقرى وأديرة ومعابد وقصور وبلاطات ولمن اجتمع بهم من العلماء والفقهاء والشعراء والامراء والملوك والحكام والزهاد وغيرهم.
وأثناء إقامة ناصر خسرو في مصر وخاصة القاهرة حوالي ثلاث سنوات توطدت الصلات بينه وبين الخليفة الفاطمي بمصر المستنصر بالله أبو تميم معد بن علي الذي حكم مصر من سنة ٤٢٧ إلى سنة ٤٧٨، كما تعززت العلاقات بينه وبين علماء المذهب الإسماعيلي الفاطمي وقادته.
،