نعم لقد تشيّعت - الرصافي المقداد، محمد - الصفحة ٨٧ - الحلقة السابعة الكذب على الشيعة هو الذي شيّعني
الكتاتيب ، فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتّى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن ، وحتّى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا بذلك ما شاء الله » [١].
الكذب كما نعرف جميعا ، أسلوب بذيء قذر وخسيس ، حذّر منه النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله وشدّد على خطورته ، معتبراً أنّ المؤمن لا يكذب أبداً ، وإنّما هي ظاهرة كامنة في فئة المنافقين ، الذين ليس لهم همّ يحملونه غير قلب الحقائق ، وباعتبار أنّ المؤمن لا يكذب كما صرّح بذلك رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فقد حكم الكاذب على نفسه بنفسه ، ونقلها من حالة الإيمان المرجو ، إلى مرض النفاق الذي لا دواء منه.
هالني الأمر ، وصدمت منه صدمةً شديدةً ، ليس ممّا اقترفه معاوية وحزبه من طلقاء بني أميّة ، فأولئك لا يجهل حالهم إلاّ من كان مثلهم ، ولكن صدمتي جاءت من الأمّة ، التي انساقت وراء باطل صنعه أعداءها ، ومضت على السكوت عليه وقبوله ، وشخصُ النبيّ صلىاللهعليهوآله ما زال عالقاً في أذهان من بقي من الصحابة في ذلك العصر ، وصوته المبارك ما زال يتردّد صداه في آذانهم وحوافظهم. فأين هؤلاء في تلك الفترة؟ ولماذا لم يفعلوا مثل ما فعل عمّار بن ياسر ، عندما قاتل معاوية وهو ابن تسعين سنة ، إلى أن استشهد؟ أين أبناءهم الذين يفترض أنّهم تربّوا على أيد لامست براهين الوحي ، وعانقت قيم الدين الحنيف بدون واسطة؟ أين التابعون لهم الذين عايشوا الظلم والظالمين ، وركُن من ركُن منهم إليه ، وسكت من سكت عنه؟ لماذا ركنوا إلى زيف معاوية؟ ولماذا سكتوا على ظلمه؟ ولماذا نصروا باطله ولم يحاربوه؟ لماذا تزلّف منهم متزلّف لمعاوية؟ ولماذا وصل الأمر بعبيد الله بن عمر إلى أنْ قُتل في صفّ الذين أخبر عنهم النبي صلىاللهعليهوآله بأنّهم بغاة على
[١] شرح نهج البلاغة ١١ : ٤٤.