ما لم ينشر من الأمالي الشجريه

ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ٩

ومن زلاته في سمرة آل عمران أنه قال في قوله تعالى: (كدأبِ آلِ فرعونَ) الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف تقديره عند الفراء: كفرت العرب كفراً ككفر آل فرعون قال: وفي هذا القول إيهام للتفرقة بين الصلة والموصول. أراد أن الكاف في هذا القول قد دخلت في صلة الذين من قوله: (إنَّ الَّذينَ كفرواْ لن تغنيَ عنهمْ أموالهمْ ولا أولادهمْ منَ اللهِ شيئاً وأولئكَ همْ وقودُ النَّارِ) فبعدت من الناصب لها وهو "كفروا" وكان الواجب على هذا المعرب حيث أنكر قول الفراء أن يعتمد على قول غيره ولا يقتصر على ذكر قول مناف لقياس العربية. قال أبو إسحاق الزجاج: كدأب آل فرعون أي (كشأن آل فرعون) كذا قال أهل اللغة ويقال: دأبت أدأب دأبا ودأبا ودؤوباً إذا اجتهدت وموضع الكاف رفع لأنها في موضع خبر ابتداء المعنى: دأب هؤلاء كدأب فرعون والذين من قبلهم أي اجتهادهم في كفرهم (وتظاهرهم على النبي كاجتهاد آل فرعون في كفرهم) وتظاهرهم على موسى. ولا يصلح أن تكون الكاف في موضع نصب بكفروا لأن كفروا في صلة الذين فلا يصلح أن الذين كفروا ككفر آل فرعون لأن الكاف خارجة من الصلة فلا يعمل فيها ما في الصلة انتهى كلام الزجاج. وهذا القول منه قول من نظر في كتاب الفراء لأنه حكى كلامه بلفظه.
وقال علي بن عيسى الروماني: كدأب آل فرعون كعادتهم في التكذيب بالحق وقيل: كعادتهم في الكفر وقيل: شأنهم كشأن آل فرعون في عقاب الله إياهم، والكاف في "كدأب" يتصل بمحذوف تقديره: عادتهم كدأب آل فرعون فموضع الكاف رفع لأنها في موضع خبر الابتداء، ولا يجوز أن يعمل فيها "كفروا" لأن صلة الذين قد انقطعت بالخبر. وهذا الكلام أيضاً كلام من نظر في كتاب الفراء.
وقال نصب اليوم من قوله (يومَ تجدُ كلُّ نفسٍ مَّا عملتْ منْ خيرٍ مُّحضراً) يوم منصوب بيحذركم أي ويحذركم الله نفسه يوم تجد ثم قال وفيه نظر وقال: ويجوز أن يكون العامل فيه فعلاً مضمراً أي واذكر يا محمد يوم تجد ويجوز أن يكون العامل فيه (المصيرُ) أي وإليه المصير في يوم تجد ويجوز أن يكون العامل فيه (قديرٌ) أي قدير في يوم تجد. انتهى كلامه.
وأقول: إنه لا يجوز أن يكون العامل فيه "يحذركم" لأن تحذير الله للعباد إنما يكون في الدنيا دون الآخرة ولا يصح أن يكون مفعولاً به كما كان كذلك في قوله: (وأنذرهمْ يومً الأزفةِ) وقوله: (لينذرَ يومَ التَّلاقِ) وقله: (وأنذرهمْ يومَ الحسرةِ) وإنما يجز أن يكون اليوم في هذه الآيات ظرفاً لأن الإنذار لا يكون في يوم القيامة فانتصب اليوم فيهن انتصاب الصاعقة في قوله: (فقلْ أنذرتكمْ صاعقةً) وإنما لم يصح أن يكون اليوم في قوله: (يوم تجد) مفعولاً به لأن الفعل من قوله: (ويحذركم الله نفسه) قد تعدى إلى ما يقتضيه من المفعول به، ولا يجوز أن يعمل فيه المصدر الذي هو "المصير"للفصل بينهما ولا يعمل فيه أيضاً "قدير" لأن قدرة الله على الأشياء كلها لا تختص بزمان دون زمان فبقي أن يعمل فيه المضمر الذي هو أذكر وإن شئت قدرت احذروا يوم تجد كل نفس فنصبته نصب المفعول به كما نصبته في تقدير أذكر على ذلك.
وقال قوله تعالى: (آيتكَ ألَّا تكلمَ الناسَ ثلاثةَ أيَّامٍ إلا رمزاً) قوله إلا رمزاً استثناء ليس من الأول وكل استثناء ليس من جنس الأول فالوجه في النصب. انتهى كلامه.