ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ٢٥
وكقول الآخر:
في ساعةٍ يحبها الطعام
المعنى: يحب فيها، وشهدنا فيه.
وفي البيت أربعة حذوف، الأول حذف المقصود بالذم وهو ليال، والثاني حذف (في) من سهدت فيها فصار سهدتها، والثالث حذف والضمير من سهدتها، والرابع حذف (في) من يرقدها.
وقد روي سهرتها طرباً وسهرت من طرب، وقد فرق بعض اللغويين بين السهاد والسهر فزعم أن السهاد للعاشق واللديغ، والسهر في كل شيء وأنشد قول النابغة: يسهد في ليلِ التمام سليمها وقول الأعشى:
وبتّ كما بات السليم مسهَّدا
والطرب خفة تصيب الإنسان لشدة سرور أو حزن، قال ابن قتيبة: يذهب الناس إلى أن الطرب في الفرح دون الجزع وليس كذلك، إنما الطرب خفة تصيب الرجل لشدة السرور أو لشدة الجزع، أنشد:
وأراني طرباً في إثرهم ... طربَ الواله أو كالمختبل
ومثله قول الآخر:
وقلن بكيت فقلت كلاً ... وهل يبكي من الطربِ الجليد
وقوله:
أمط عنك تشبيهي بما وكأنّه ... أحدٌ فوقي ولا أحد مثلي
يتوجه فيه سؤال عن (ما) من قوله: تشبيهي بما، وليست ما من أدوات التشبيه، وقد قيل في ذلك أقوال: أحدها: ما حكاه أبو الفتح عن المتنبي أنه كان إذا سئل عن ذلك أجاب بأن (ما) سبب للتشبيه لأن القائل إذا قال: ما الذي يشبه هذا؟ قال المجيب: كأنه الأسد أو كأنه الأرقم أو نحو ذلك، فأتى المتنبي بحرف التشبيه الذي هو كأن وبلفظ الحرف الذي كان سؤالاً عن التشبيه فأجيب عنه بكأن فذكر السبب والمسبب جميعاً. قال أبو الفتح: وقد فعل أهل اللغة مثل هذا فقالوا: الألف والهمزة في حمراء علامة التأنيث وإنما العلامة في الحقيقة الهمزة وحدها ولكنها لما صاحبت الألف وكان انقلابها لسكون الألف قبلها قيل هما جميعاً لتأنيث.
والثاني: ما حكاه القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني صاحب الوساطة بين المختصمين في شعر المتنبي عن المتنبي أيضاً قال: سئل عن معنى قوله: بما وكأنه، فقال: أردت لا تقل ما هو إلا كذا وكأنه كذا لأنه ليس فوقي أحد ولا مثلي فيشبهني به. وقال الراوي مقوياً لهذا الوجه: إذا قلت: ما هو إلا الأسد وإلا كالأسد، فقد أتيت بما لتحقيق التشبيه كما قال لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه
فليس ينكر أن ينسب التشبيه إلى (ما) إذا كان لها هذا الأثر.
والثالث: ما رواه الربعي عن المتنبي أيضاً قال: سئل عن قوله: بما وكأمه، فقال: أردت ما أشبه فلاناً بفلان وكأنه فلان. فهذه ثلاثة أقوال مختلفة كما ترى ولا يمتنع أن يجيب المسؤول بأجوبة مختلفة في أوقات متغايرة.
والرابع: قول أبي علي بن فورجة قال: هذه (ما) التي تصحب كأن إذا قلت: كأنما زيد الأسد. وإليه ذهب أبو زكريا قال: أراد أمط عنك تشبيهي بأن تقول: كأنه الأسد وكأنما هو الليث. وهذا القول أردأ الأقوال وأبعدها من الصواب لأن المتنبي قد فصل (ما) من (كأن) ، قدمها عليه واتى في مكانها بالهاء، فاتصال (ما) بكأنه غير ممكن لفظاً ولا تقديراً، وهي مع ذلك لا تفيد معنى إذا اتصلت بكأن، فكيف إذا انفصلت منه وقدمت عليه؟ وهي في الأقوال الثلاثة المحكية عن المتنبي منفصلة، قائمة بنفسها، تفيد معنى. فهي فيما رواه أبو الفتح استفهامية، وفيما رواه علي بن عبد العزيز الجرجاني نافية، وفيما رواه الربعي تعجبية، والكافة إنما تدخل لتكف عن العمل، لا لمعنى تحدثه، فهي بمنزلة ما الزائدة. ثم أن هذين اللفظين اللذين قد مثل بهما أبو زكريا فقال: كأنه الأسد وكأنما هو الليث، قد أتى فيهما بأداة التشبيه التي هي كأن وحدها لأن معنى كأنه وكأنما هو واحد فلا فرق بينه وبين أن تقول: أمط عنك تشبيهي بكأن وكأن فهو فاسد من كل وحجه.
يقال: ماط الله عنك الأذى أماطه أي أزاله وماط الشيء زال، ومطته عنك، وأمطه نحه وأزله، ومط عني تنح وزل، استعملوا ماط لازماً ومتعدياً. وقوله: تشبيهي أراد تشبيهك إياي فحذف الفاعل وهو الكاف وأضاف المصدر إلى المفعول فصار المنفصل متصلاً والمصدر كثيراً ما يحذف فاعله. أنشد بعض أهل الأدب لأخي الحارث بن حلزة:
ربما قرت عيونٌ بشجى ... مرمضٍ قد سخنت منه عيون
وقال: من هذا البيت أخذ المتنبي قوله:
مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد
قلت: إن كان الجاهلي أبا عذرة هذا المعنى فلقد أحسن أبو الطيب أخذه حيث أتى به في نصف بيت.