ما لم ينشر من الأمالي الشجريه

ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ١٨

يمشي بأربعة على أعقابه ... تحت العلوج ومن وراء يلجم
ذهب باليدين والرجلين مذهب الأعضاء فذكر على المعنى، كما قال الأعشى: يضم إلى كشيحة كفا مخضبا وكان القياس أن تقول: بأربع ولكنه ألحق الهاء ضرورة، وقد أنثوا المذكر على المعنى فيما رواه الأصمعي قال: قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت أعرابياً يمانياً يقول: فلان لغوب جاءته كنابي فاحتقرها، فقلت له: أتقول جاءته كتابي؟ فقال: أليس هو بصحيفة؟ فقلت له: ما اللغوب؟ فقال: الأحمق، وقال الشاعر:

أحمال المئين إذا ألمت ... بنا الحدثان والأنف النصور
ويروى: الغيور، أنث الحدثان على معنى الحادثة. ومن تأنيث المذكر على المعنى تأنيث الأمثال في قوله عز وجل: (من جاءَ بالحسنةِ فلهُ عشرُ أمثالها) لأن الأمثال في المعنى حسنات فالتقدير: عشر حسنات أمثالها، وإذا كانوا قد أنثوا المذكر على المعنى فتذكير لمؤنث أسهل لأن حمل الفرع على الأصل أسهل من حمل الأصل على الفرع. وقال: على أعقابه، فجمع في موضع التثنية وحقه في الكلام: على عقبيه كما جاء في التنزيل: (نكصَ على عقبيهِ) ، ولكنهم جمعوا في موضع الإفراد فقالوا: شابت مفرقه، وبعير ذو عثانين. وقال الشاعر:

والزعفران على ترائبها ... شرق به اللبات والنحر
فجمع التربية واللبة بما حولهما، وإذا كان هذا قد جاز في موضع الواحد فالجمع التثنية أجوز. فأما أعراب (وراء) مع حذف المضاف إليه فإن الغايات وهي الظروف التي حذفوا منها المضاف إليه وبنوها على الضم كقبل وبعد وفوق وتحت إنما بنوها لأن المضاف إليه مقدر عندهم حتى أنها متعرفة به محذوفاً، فلما اقتصروا على المضاف فجعلوه نهاية صار كبعض الاسم لا يعرب، فإن نكروا شيئاً من ذلك أعربوه فقالوا: جئت قبلا ومن قبل وبعداً ومن بعد، قال الشاعر:

فساغ لي الشراب وكنت قبلا ... أكاد أغص بالماء الحميم
وقرأ لبعض القراء: (للهِ الأمرُ من قبلُ ومنْ بعدُ) فأعرب لنية التنكير فقوله: ن وراء، على تقدير التنكير كأنه قال: من جهة تخالف وجهه يلجم، والعلج (يجمع علوجاً وإعلاجاً كجذوع وأجذاع والعلج) الرجل العجمي والحمار الوحشي، وقالوا: رجل علج أي شديد، واشتقاقه من المعالجة كأنه لشدته يعالج الشيء الثقيل، وقالوا لحمار الوحش علج لأنه يعالج أتنه يعاركها، وقالوا: اعتلجت الأمواج، التطمت. يقول: يمشي القهقرى على أربعة كالبهيمة جعل ما يوج في قيه لجاماً. ومنها قوله:

وجفونه ما تستقر كأنها ... مطروفة أو فتَّ فيها حصرم
أراد أنه أبداً يحرك جفونه يستدعي بذلك العلوج فإشارته إليهم بجفونه متتابعة حتى كأن بعينه طرفة أو حصرماً فت فيها فهي لا تستقر، وفت معطوف على مطروفة وليس من حق الفعل أن يعطف على الاسم ولا حق للاسم أن يعطف على الفعل ولكن ساغ ذلك في اسم الفاعل واسم المفعول لما بينهما وبين الفعل من التقارب بالاشتقاق والمعنى ولذلك عملاً عمله، فمما عطف فيه الفعل على الاسم قوله تعالى: "أوَ لمْ يرواْ إلى الطَّيرِ فوقهمْ صافَّاتٍ ويقبضنَ) وقوله: (إنَّ المصَّدقينَ والمصَّدقاتِ وأقرضواْ اللهَ قرضاً حسناً) . ومما عطف فيه الاسم على الفعل قول الراجز: تبيت لا تأوى ولا نفاشاً قول الآخر:

بات يغشيها بعضب باترٍ ... يقصد في أسؤقها وجائر
وإنما ساغ ذلك في هذا الضرب من الأسماء لصحة تقدير الاسم بالفعل والفعل بالاسم فالتقدير: صافات وقابضات، وإن الذين تصدقوا وأقرضوا الله، ولا تأوى ولا تنفش، ويقصد في أسؤقها، ويجور، وطرفت وفت فيها حصرم. النفاش الغنم التي تنتشر بالليل فترعى بلا راع وكذلك الإبل. يقال نفشت تنفش نفشاً مفتوح الثاني، وفي التنزيل: (وداودَ وسليمانَ إذْ يحكمانِ في الحرثِ إذْ نفشتْ فيهِ غنمُ القومِ) .
ومنها:

وإذا أشار محدثاً فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوزٌ تلطم