ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ١٢
قوله سحقاً صفة لمضاف محذوف فالتقدير: تسقي نخل جنة سحقاً لأن السحق جمع سحوق وهي النخلة الباسقة فكان الصواب أن يقول: لأن الجنات التي من الأعناب لا تكون من النخل. قول زهير: كأن عيني في غربي مقتلة: الغربان الدلوان الضخمان والمقتلة المذللة وإنما جعلها مذللة لأن المذللة تخرج الغرب ملآن يسيل من نواحيه، والصعبة تنفر فتهريقه فلا يبقى منه إلا صبابة، وكل بعير استقي عليه فهو ناضح والرجل الذي يستقى عليه ناضح.
ومن أغاليطه (قوله في) قوله تعالى في سورة الأعراف: (حتَّى إذا ادَّاركواْ يها) أصل اداركوا ثم أدغمت التاء في الدال فسكن أول المدغم فاحتيج إلى ألف الوصل فثبتت الألف في الخط ولا تستطاع على وزنها مع ألف الوصل لأنك ترد الزائد أصلياً فتقول وزنها افاعلوا فتصير تاء تفاعلوا فاء الفعل لإدغامها في فاء الفعل وذلك لا يجوز فإن وزنتها على الأصل جاز فقلت تفاعلوا. انتهى كلامه.
وأقول: إن عبارته في هذا الفصل مختلة ورأيت في نسخة من هذا التأليف: لا يستطاع على وزنها بالياء والصحيح استعماله بغير الجار: لا يستطاع على وزنها بالياء والصحيح استعماله بغير الجار: لا يستطاع وزنها لأن استطعت مما يتعدى بنفسه كما جاء: (فلا يستطيعونَ توصيةً) وتستطاع بالتاء جائز على قلق فيه وكان الأولى أن يقول: ولا يسوغ وزنها مع التلفظ بتاء تفاعلوا فاء ثم أن منعه أن توزن هذه الكلمة وفيها ألف الوصل غير جائز لأنك تلفظ بها مع إظهار التاء فتقول وزن اداركوا اتفاعلوا وإن شئت قلت: ادفاعلوا فلفظت بالدال المبدلة من التاء.
وقال في قوله تعالى: (ساءَ مثلاً القومُ) في ساء ضمير الفاعل ومثلاً تفسير والقوم رفع بالابتداء وما قبلهم خبرهم أو رفع على إضمار مبتدأ تقديره: ساء المثل مثلاُ هم القوم الذين كذبوا مثل: نعم رجلا زيد. وقال الأخفش: تقديره: ساء مثلاً مثل القوم.
قلت: ساء بمنزلة بئس وهذا الباب لا يكون فيه المقصود بالذم والمدح إلا من جنس الفاعل فلا يجوز: بئس غلامك إلا أن يراد: مثل غلامك فحذف المضاف. فقول الأخفش هو الصواب ومن زعم أن التقدير: ساء مثلاً هم القوم فقد أخطأ خطأً فاحشاً.
ومن أغاليطه الشائعة أقوال حكاها في سورة الأنفال في قوله تعالى: (كما أخرجكَ ربُّكَ من بيتكَ بالحقِّ) قال: الكاف من كما في موضع نصب نعت لمصدر يجادلونك أي جدالاً كما وقيل: هي نعت لمصدر يدل عليه معنى الكلام تقديره: الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتاً كما أخرجك. وقيل: هي نعت لحق أي هم المؤمنون حقاً كما. وقيل: الكاف في موضع رفع والتقدير: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق فاتقوا الله فهو ابتداء وخبر. وقيل: الكاف بمعنى الواو للقسم أي: الأنفال لله والرسول والذي أخرجك. انتهى كلامه.
وهذه الأقوال رديئة منحرفة عن الصحة انحرافاً كلياً وأوغلها في الرداءة القول الرابع والخامس. فقوله: الكاف من كما في موضع رفع بالابتداء وخبره فاتقوا الله قول ظاهر الفساد من وجوه: أحدها أن الجملة التي هي "فاتقوا الله" مع تقديمها على الكاف بينها وبين الكاف فصل بثلاث آيات وبعض آية رابعة وهذا الفاصل مشتمل على عشر جمل وليس في كلام للعرب ولا في الشعر الذي هو محل الضرورات خبر قدم على المخبر عنه مع الفصل بينهما بعشر جمل أجنبية. والثاني دخول الفاء في الجملة التي زعم أنها الخبر والفاء لا تدخل في خبر المبتدأ إلا أن يغلب غليه شبه الشرط بأن يكون اسماً موصولاً بجملة فعلية أو يكون نكرة موصوفة كقولك: الذي يزورني فله درهم وكل رجل يزورني فله درهم، أو يكون خبر المبتدأ الواقع بعد أما. والثالث أن الجملة التي هي قوله: (فاتَّقوا اللهَ) خالية من ضمير يعود على الكاف الذي زعم أنه مبتدأ وهي مع ذلك جملة أمرية والجمل الأمرية لا تكاد تقع أخباراً إلا نادراً، وتمثيل هذا الذي قد قدره قائله وهو تقدير باطل قولك: فاتق الله كما أخرجك زيد من الدار وأي فائدة في انعقاد هذين الكلامين.