ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ٢٦
قوله:
إلام طماعية العاذل ... ولا رأي في الحب للعاقلِ
ظاهره أن معنى عجزه غير متعلق بمعنى صدره، وأين قوله في الظاهر: ولا في الحب للعاقل، من قوله: إلام طماعية العاذل. ويحتمل تعلقه به وجوها: أحدها أن يريد: إلام يطمع عاذلي في إصغائي إلى قوله، والعاقل إذا أحب لم يبق له مع الحب رأي يصغى به إلى قول ناصح فعذله غير مجد نفعاً. والثاني أن العاقل لا يرتئي في الحب فيقع فيه اختياراً وإنما يقع اضطراراً فلا معنى لعذله. والثالث أن العاقل ليس من رأيه أن يورط نفسه في الحب وغنما ذلك من فعل الجاهل، وعذل الجاهل أضيع من سراج في الشمس، فكيف يطمع في نزوعه.
ومن مشكل أبياته قوله:
ولا تجزني بضنى بي بعدها بقرٌ ... تجزي دموعي مسكوباً بمسكوب
كنى بالبقر عن النساء على مذهب العرب في تشبيههم النساء بالبقر الوحشية، يريدون بذلك شدة سواد عيونهن، قال عبد الرحمن بن حسان:
صفراء من بقر الجواء كأنَّما ... ترك الحياء بها رداع سقيم
الرداع وجع الجسم أجمع، ويروى: أثر الحياء. وقوله: لا تجزني، دعاء بلفظ النهي، فحكمه في الجزم حكم النهي، كما قال:
فلا تشلل يدٌ فتكت بعمروٍ ... فإنّك لن تذل ولن تضاما
وكذلك استعمال الدعاء بلفظ الأمر كقولك: لقطع الله يده. والضنى الداء المخامر الذي إذا ظن صاحبه أنه قد برأ نكس. وقوله: بعدها، أراد بعد فراقها فحذف المضاف. وقوله: بي، صفة لضنى، فالباء متعلقة بمحذوف تقديره: كائن أو واقع. ويحتمل الناصب للظرف الذي هو (بعدها) وجهين: إن شئت أعملت فيه المصدر الذي هو ضنى، وإن شئت أعملت فيه الباء التي في (بي) لأن الظرف وحرف الخفض إذا تعلقا بمحذوف عملا في الظرف وفي الحال كقولك: زيد في الدار اليوم، وهو عند جعفر غداً، والهاء في (بعدها) عائدة على (بقر) وإن كانت بقر متأخرة، وجاز ذلك لأنها فاعل والفاعل رتبته التقدم فإذا أخرته جاز تقديم الضمير العائد عليه لأن النية به التقديم، مثله: (فأوجسَ في نفسهِ خيفةً موسى) ، وفي الكلام حذف وذلك أنه أراد: لا تجزني بضنى بي ضنى بها أي ضنى يقع بها، فحذف ذلك للعلم به. ومسكوباً لا يجوز أن ينتصب على الحال من دموعي لأن الواحد المذكر لا يكون حالاً من جماعة، لا تقول: طلعت الخيل مترادفاً، ولكن مترادفة. ولو قلت: مترادفات، كان أحسن كما جاء في التنزيل: (أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات) . ولو قال: تجزي دموعي مسكوبة، كان حالاً، وإذا بطل انتصاب (مسكوباً) على الحال نصبته على البدل من الدموع، كأنه قال: تجزي دموعي مسكوباً منها بمسكوب من دموعها، فحذف الجارين والمجرورين. وإنما احتيج إلى تقدير (منها) لأن بدل البعض وبدل الاشتمال لا بد أن يتصل بهما ضمير يعود على المبدل منه كقولك: ضربت زيداً رأسه، وأعجبني زيد علمه. ومن بدل الاشتمال المحذوف منه الضمير قو الأعشى:
لقد كان في حولٍ ثواء ثويته ... تقضي لبانات ويسأم سائم
أراد: ثويته فيه. ومعنى البيت أنه بكى عند الفرقة وبكين فجزين دمعه بدمع، فدعا لهن أن لا يجزينه بضناه ضنى، كما جزينه بالدمع دمعاً.
المجلس الرابع والثمانون
قول أبي الطيب:
أنت الجواد بلا من ولا كدرٍ ... ولا مطال ولا وعد ولا مذلِ
سألني سائل عن المذل فقلت: قد قيل فيه قولان أحدهما أن معناه القلق، يقال: مذلت من كلامك أي قلقت، ومذل فلان على فراشه إذا قلق فلم يستقر والقول الآخر البوح بالسر، يقال: فلان مذل بسره وكذلك هو مذل بماله، إذا جاد به. وذكر أبو زكريا في تفسير البيت الوجهين في المذل ثم قال: والذي أراد أبو الطيب بالمذل أنه لا يقلق بما يلقاه من الشدائد كما يقلق غيره، وليس ما قاله بشيء عليه تعويل بل المذل هاهنا البوح بالأمر ونفى ذلك عنه فأراد أنه إذا جاد كتم فلم يبح به. وقول أبي زكريا أراد أنه لا يقلق بما يلقاه من الشدائد قد زاد بذكر الشدائد ما ذهب إليه بعداً من الصواب، وهل في البيت ما يدل على الشدائد، إنما مبنى البيت على الجود والخال التي مدحه بنفيها عنه متعلقة بمعنى الجود وهي المن والكدر والمطال والوعد والمذل الذي هو البوح بالشيء.
فصل أنبّه فيه على فضائل أبي الطيِّب وأورد فيه غرراً من حكمه
فمن بدائعه قوله في الحمَّى: