ما لم ينشر من الأمالي الشجريه

ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ٢٧

وزائرتي كأنّ بها حياءً ... فليس تزور إلا في الظلامِ
بذلت لها المطارفَ والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي
المطارف جمع مطرف ومطرف وهو الذي في طرفيه علمان، والحشايا حجمع حشية وهو ما حشي مما يفرش.

إذا ما فارقتني غسَّلتني ... كأنّا عاكفانِ على رامِ
إنما خص الحرام، والإغتسال يكون من الحلال والحرام لأنه جعلها زائرة والزائرة غريبة فليست بزوجة ولا مملوكة.

كأن الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعةٍ سجامِ
إنما قال بأربعة لأنه أراد الغروب والشؤون وواحدهما غرب وشأن وهما مجاري الدموع.

أراقب وقتها من غيرِ شوقٍ ... مراقبة المشوقِ لمستهامِ
ويصدق وعدها والصدق شرٌّ ... إذا ألقاك في الكرب العظامِ
أبنتَ الدهرِ عندي كلُّ بنتٍ ... فكيف وصلتِ أنتِ من الزِّحامِ
جعل الحمى بنتاً للدهر لأنها تحدث فيه فكأنه أب لها. وقوله: عندي كل بنت، يريد: كل شديدة حدثها الدهر. وفيها:

ضاقت خطَّةٌ فخلصت منها ... خلاصَ الخمرِ من نسجِ الفدامِ
خطة حال صعبة الفدام مصفاة الخمر ويقال: فدام بالتشديد. قال أبو الفتح بعد أن ذكر هذه الأبيات: ما قيل شعر في وصف حال نهكت صاحبها واشتدت به ثم عاد إلى حال السلامة إلا وهذا أحسن منه. وقد ذكر عبد الصمد بن المعذل الحمى في قصيد رائية وليست في طرز هذه وإن كان عبد الصمد حاذقاً مخترعاً غير مدفوع الفضل.
وقال أبو الفتح بعد قوله:

وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهمِ السقيمِ
ولكن تأخذ الآذان منه ... على قدرِ القرائحِ والعلومِ
هذا كلام شريف لا يصدر إلا عن فضل باهر. القريحة خالص الطبع وهي مأخوذة من قريحة البئر وهو أول ما يخرج من مائها، ومن هذا قيل: ماء قراح أي لا يخالطه غيره.
قال أبو الفتح عقيب قوله:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
أشهد بالله لو لم يقل المتنبي إلا هذا البيت لوجب أن يتقدم كثيراً من المجيدين.
وقال أبو الطيب في أسد قتله بدر بن عمار وفر منه أسد آخر:

تلف الذي اتخذ الجراءة خلة ... وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا
وقال أبو الفتح بعد إيراد هذا البيت: هذا من حكمه التي يرسلها، وله في شعره أشباه لهذا كثيرة، منها قوله:

الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أولٌ وهي المحل الثاني
ومنها: مصائب قومٍ عند قوم فوائد.
ومنها: إنّ النفيس فغريب حيث ما كانا ومنها:

ومن نكدِ الدنيا على الحر أن يرى ... عدواً له ما من صداقته بد
وقال أوب الفتح بعد إيراد قوله:

ولقد عرفت وما عرفت حقيقة ... ولقد جهلت وما جهلت خمولا
نطقت بسؤددك الحمام تغنياً ... وبما تجشمها الجياد صهيلا
أشهد بالله لو خرس بعد هذين البيتين لكان أشعر الناس والسلام.
وقال أبو الفتح في قوله:

نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنّك خالد
لو لم يمدحه إلا بهذا البيت وحده لكان قد أبقى له مالاً يخلقه الزمان، وهذا هو المدح الموجه لأنه بنى البيت على أن مدحه باستباحة الأعمار ثم تلقاه في آخره بذكر سرور الدنيا ببقائه واتصال أيامه. هذا البيت قد ذكرت ما فيه فيما تقدم.
وقال أبو العلاء المعري في قوله:

إلفُ هذا الهواء أوقع في الأن ... فسِ أنّ الحمامَ مر المذاقِ
والأسى قبل فرقة الروح عجزٌ ... والأسى لا يكون بعد الفراق
هذان البيتان يفضلان كتاباً من كتب الفلاسفة لأنهما متناهيان في الصدق وحسن النظام، ولو لم يقل شاعرهما سواهما لكان فيهما جمال وشرف. وقال أبو العلاء في مرثية أبي الطيب التي رثى بها أخت سيف الدولة التي أولها: إن يكن صبر ذي الرزية فضلا.
لو لم يكن للمتنبي غير هذه القصيدة في سيف الدولة لكان كثيراً. وأين منها قصيدة البحتري التي أولها: إن سير الخليط لما استقلا، انتهى كلامه.
ومن معاني أبي الطيب المستحسنة وإن كان ما سبق إليه قوله:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
أصل هذا لمعنى قول ارسطاطاليس: العقل سبب رداءة العيش، وأخذه عيد الله بن المعتز في قوله: