ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ١٦
البت الكساء الغليظ. وإنما ضعف الابتداء بالنكرة لأن النفس تتنبه بالمعرفة على طلب الفائدة وإذا كان المخبر عنه مجهولاً كان المخبر حقيقياً بإطراح الإصغاء إلى خبر من لا يعرفه. وحدُّ الكلام إذا كان المبتدأ منكوراً وتضمن خبره اسماً معروفاً أن يقدم الخبر كقولك: لزيد مال لأن الغرض في كل خبر أن يتطرق إليه بالمعرفة فيصدر الكلام بها وهذا موجود هاهنا لأنك وضعت زيداً ومجروراً لتخبر عنه بأن له مالا قد استقر له فقولك: لزيد مال في تقدير: زيد ذو مال فالمبتدأ الذي هو مال هو الخبر في الحقيقة وقولك: لزيد هو المبتدأ في المعنى، وقوله: متى كن لي، مفيد لأن في ضمن الخبر ضمير المتكلم وهو أعرف المعارف، ولو قال: منًى كنَّ لرجل لم يحصل بذلك فائدة لخلوه من اسم معروف فاحتفظ بهذا الفصل فإنه أصل كبير.
وقوله: أن البياض خضاب منقطع من أول البيت وتحتمل أن الرفع والنصب فالرفع على إضمار مبتدأ كأنه (قال إحداهن أن البياض خضاب لأنه) قد أخبر بأن ذلك كان في أيام حداثته وريعان شبيبته بقوله: ليالي عند البيض فوادي فتنة، الفود: معظم شعر اللمة مما يلي الأذنين. وأما النصب فعلى إضمار تمنيت لدلالة منى عليه كما أضمر نتبع في قوله تعالى: (فلْ بلْ ملَّةَ إبراهيمَ) ، وكإضمار أشدد في قول أحيحة بن الجلاح:
ألا أبلغ سهيلاً أنني ما عشت كافيكا ... حيازيمك للموتِ فإن الموت لاقيكا
فإن قيل أن التمني مما لم يثبت كالرجاء والطمع فلا يقع على أن الثقيلة لأنها للتحقيق فهي أشبه بأفعال اليقين وإنما يقع التمني وما شاكله على أن الخفيفة لأنها تخلص الفعل للاستقبال فهي أشبه بالطمع والرجاء والتمني من حيث تعلقت هذه المعاني بما يتوقع، ومنه قول لبيد:
تمنّى ابنتايَ أنْ يعيشَ أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعةَ أو مضرْ
فيل لا يمتنع وقوع التمني على أن الثقيلة كما لم يمتنع وقوع (وددت) عليها ووددت وتمنيت بمعنى واحد، فمن ذلك في التنزيل: (وتودُّونَ أنَّ غيرَ ذاتِ الشوكة تكونُ لكمْ) ، ويدلك على أن وددت وتمنيت معناهما واحد قوله تعالى: (يومئذٍ يودُّ الَّذينَ كفرواْ وعصواْ الرَّسولَ لوْ تسوَّى بهم الأرضُ) والمعنى: لو يجعلون والأرض سواء كما قال: (يومَ ينظرُ المرءُ ما قدَّمتْ يداهُ ويقولُ الكافرُ يا ليتني كنتُ تراباً) وهذا استدلال أبي علي.
ويجري مجرى التمني فيما ذكرته الخوف، وقد جاء: (وأخاف أن يأكله الذئب) ، وجاء (ولا تخافون أنكم أشركتم بالله) ، ومثل تمنيت اشتهيت، قال أبو تمام:
مضى طاهر الأثواب لم تبق بقعة ... غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
وجاء صريح التمني في قول الآخر:
ما روضةٌ إلا تمنَّتْ أنّها ... لك مضجعٌ ولخطِّ قبرك موضعُ
ويجوز أن تكون (ممنى) منصوبة نصب الظروف والجملة التي هي كان واسمها وخبرها نعت لها فتتصل أن بما قبلها كأنه قال: في منى كن لي أن البياض خضاب أي في جملة منى كما قالوا: أحقاً أنك ذاهب، وأكبر ظني انك مقيم، يردون: في حق وفي أكبر ظني. وإذا أردت معنى الظرفية في (منى) فلك في أن مذهبان: فمذهب سيبويه والأخفش والكوفيين رفع بالظرف يرتفع عند سيبويه بالظرف ارتفاع الفاعل، وقد مثل ذلك بقوله: غداً الرحيل، وأحقاً أنك ذاهب، والحق أنك ذاهب قال: حملوه على: أفي حق أنك ذاهب، قال: وكذلك إن أخبرت فقلت: حقاً أنك ذاهب، والحق أنك ذاهب، وأكبر ظني أنك ذاهب.
وإذا كان هذا مذهب سيبويه مع من ذكرناه فالمنية تقارب الظن، فيحسن أن تقول: أكبر مناي أنك ذاهب فتنصب (أكبر) بتقدير (في) ، وأنشد سيبويه في ذلك للأسود بن يعفر:
أحقاً بني أبناء سلمى بن جندلِ ... تهددكم إيايَ وسطَ المجلسِ
وأنشد:
أحقاً أن جيرتنا استقلوا ... فنيتنا ونيتهم فريقُ
في أبيات أخر، فهذا أحد المذهبين.