ما لم ينشر من الأمالي الشجريه

ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ٨

قلت: إن قول النحويين هذا الجار متعلق بهذا الفعل يريدون أن العرب وصلته به واستمر سماع ذلك منهم فقالوا: رغبت في زيد ورضيت عن جعفر وعجبت من بشر وغضبت على بكر ومررت بخالد وانطلقت إلى محمد وكذلك قالوا: حسدت زيداً على علمه وعلى ابنه ولم يقولوا حسدته من ابنه وكذلك وددت لم يعلقوا به من فثبت بهذا أن قوله "من عند أنفسهم" لا يتعلق بحسداً ولا بود ولكنه تعلق بمحذوف يكون وصفاً لحسد أو وصفاً لمصدر ود فكأنه قيل: حسداً كائناً من عند أنفسهم أو ودا كائنا من عند أنفسهم.
وقال في قوله: (كذلكَ قال الَّذينَ لا يعلمونَ) و (كذلكَ قالَ الَّذينَ من قبلهم) الكاف في الموضعين في موضع نصب نعت لمصدر محذوف أي قولاً مثل ذلك قال الذين لا يعلمون وقولاً مثل ذلك قال الذين من قبلهم ثم قال: ويجوز أن تكونا في موضع رفع على الابتداء وما بعد ذلك الخبر. انتهى كلامه.
وأقول لا يجوز أن يكون موضع الكاف في الموضعين رفعاُ كما زعم لأنك إذا قدرتها مبتدأ احتاجت إلى عائد الجملة وليس في الجملة عائد فإن قلت قدر العائد محذوفاً كتقديره في قراءة من قرأ: (وكلَّاً وعدَ اللهُ الحسنى) أي وعده الله فاقدر كذلك قاله الذين لا يعلمون وكذلك قاله الذين من قبلهم لم يجز هذا لأن قال قد تعدى إلى ما يقتضيه من منصوبه وذلك قوله (مثل قولهم) ولا يتعدى إلى منصوب آخر.
وقال في قوله عز وجل: (ولا تجعلواْ اللهَ عرضةً لأيمانكمْ أن تبرُّواْ) أن تبروا في موضع نصب على معنى في أن تبروا فلما حذف حرف الجر تعدى الفعل وقيل تقديره: كراهة أن وقيل: لئلا أن. انتهى كلامه. وأقول إن ما حكاه من أن التقدير لئلا أن خطأ فاحش لتكرير أن تبروا مراد بعدها فالتقدير: لئلا أن تبروا وأمن تبروا وأن تبروا معناه بركم فالتقدير: لئلا بركم.
ومما أهمل ذكره ولم يفعل ذلك متعمداً ولكنه خفي عليه وهو من مشكل الإعراب لأن عامله محذوف وجه النصب في "رجالا" من قوله: (فإنْ خفتمْ فرجالاً أوْ ركباناً) والقول فيه أن رجالا هاهنا ليس بجمع رجل وإنما هو راجل كصاحب وصائم وصيام ونائم ونيام وقائم وقيام وتاجر وتجار وقد قالوا في جمعه رجل كما قالوا صحب وتجر وركب ولكونه جمع راجل عطف عليه جمع راكب وانتصابه على الحال بتقدير فصلوا رجالاً ودل على هذا الفعل قوله: (حافظواْ على الصَّلواتِ) ثم قال: فإن خفتم فصلوا رجالاً أو على الركائب ومن شواهد هذا الجمع قول عمرو بن قميئة:

ونكسو القواطع هام الرجال ... وتحمي الفوارس منا الرجالا
الرجال الأولى جمع رجل والثانية جمع راجل.
وقال في قوله تعالى: (لا تبطلواْ صداقتكمْ بالمنْ والأذى كالَّذي ينفقُ) الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف تقديره: إبطالاً كالذي. هذا منتهى كلامه. ومن عادته أن يقف على الموصولات بغير صلاتها كما وقف على أن في قوله: لئلا أن وكراهة أن.
وأقول في قوله إن الكاف نعت لمصدر محذوف تقديره: إبطالاً كالذي ينفق إنه قول فيه بعد وتعسف لأن ظاهره تشبيه حدث بعين ولا يصح إلا بتقدير حذفين بعد حذف المصدر أي إبطالاً كإبطال إنفاق الذي ينفق ماله والوجه أن يكون موضع الكاف نصباً على الحال من الواو في تبطلوا بالتقدير: لا تبطلوا صدقاتكم مشبهين الذي ينفق ماله رياء الناس فهذا قول لا حذف فيه والتشبيه فيه عين بعين.