ما لم ينشر من الأمالي الشجريه

ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ٢١

وأقول: إن كل ما كان من الصفات على مثال فاعل كالجالس وضارب فأنهم لك يجمعوه على فواعل وصفاً للرجال لئلا يلتبس بفواعل إذا أريد به النساء كقولك: نسوة جوالس وضواحك كما جاء في التنزيل: (والقواعدُ منَ النِّساءِ) ، وشذ من جمع الرجال (فوارس) ، وذلك لاختصاص هذا الوصف بالرجال، فإن سموا رجلاً بوصف على هذا المثال كخالد وحاتم وحارث كسروه على فواعل، وإنما استجازوا جمعه علماً على فواعل لخروجه من الوصفية (إلى العلمية، كما أن أحمر لا يجمع وصفاً إلا على فعل فإذا أخرجوه عن الوصفية) بالتسمية جمعوه جمع السلامة لأنه صار كأحمد وأكثم فقالوا: الأحمرون كما قالوا الأحمدون وكسروه على الأفاعل كما قالوا في العلم (الأحامد وفي غير العلم) الأجادل. وقوله: وإذا كانوا قد قالوا الأباطح فهذا أجدر: يعني أن الأبطح ومؤنثه مما أخرجته العرب عن الوصفية فلم يجروه على ما قبله فيقولوا: مكان أبطح ولا بقعة بطحاء، وكذلك الأبرق والبرقاء، فالأبطح والأبرق صفتان غالبتان بمعنى أنهما غلبا على الاسمية فلم يجريا على موصوف وجمع المذكر منهما على الأفاعيل فقيل: الأباطح والأبارق كما جمع الاسم عليه كالأزمل والأزامل، ولم يجمعوا مؤنثهما على قياس باب حمراء فيقولوا: بطح وبرق لمفارقتهما له من حيث لم يجريا على موصوف بل شبهوهما لتأنيثهما وفتح أولهما بباب جفنة فقالوا: بطحاوات وبرقاوات كصحراوات، كما شبهوا باب الكبرى لتأنيثه وضم أوله بباب غرفة فقالوا: الكبر كما قالوا: الغرف، وكذلك قالوا في تكسيرهما: بطاح وبراق كجفان وقصاع، فإن سميت بأحمر وجمعته على الأحامر عن معناه بنقله إلى العلمية، والأبطح خارج عن معناه الوصفي الذي وضع له، ونقيض هذا قول من جمع الحارث على الحرث، وذلك أنهم ردوه بهذا الجمع إلى الوصفية فجمعوه على فعل كشاهد وشهد وصائم وصوم وغاز وغزى، فقياس هذا أن يجمع أحمر علماً على مثال جمعه وصفاً فيقال: حمر، وإن نكرته على هذا القول قلت: مررت بأحمر وأحمر آخر، فلم تصرفه نكرة لمراعاة الوفية فيه من حيث جمع على حمر. وقوله: بلا خلاف، يعني بلا خلاف بين سيبويه والأخفش لأن سيبويه إذا سمى رجلاً بأحمر ثم نكره لم يصرفه مراعاة للوصف فيه، والأخفش يصرفه لزوال الوصف بالتسمية، وقد أوردت هذه المسألة فيما تقدم، فههنا يوافق الأخفش سيبويه فلا يصرفه منكراً لأن جمعه على فعل مصرح له بالوصفية. الأبطح والبطحاء: كل مكان متسع، والأبرق والبرقاء: مكان ذو حجارة مختلفة الألوان، والكاهل: ما بين الكتفين، والحارث في أصل وضعه: الكاسب، والأزمل: الصوت، والأجدل: الصقر.
وقال أوب علي في باب الأفعال المنصوبة: وتقول: كان سيري أمس حتى أدخلها، أن جعلت بمعنى وقع جاز الرفع والنصب في (أدخلها) ، وإن جعلت المفتقرة إلى الخبر وجعلت أمس من صلة السير لم يجز إلا النصب لأنك إن رفعت بقيت كان بلا خبر وإذا نصبت كان لقولك: حتى أدخلها في موضع الخبر، انتهى كلامه.
وأقول: إنك إن جعلت كان بمعنى وقع فالكلام يتم إذا قلت: كان سيري، فإن جعلت حتى غاية جاز أن تعلقها بكان وجاز أن تعلقها بالسير، وإن جعلتها للاستئناف فقد أتيت بجملة تامة بعد جملة تامة، فإن جعلت كان الناقصة وجعلت (أمس) خبراً لها علقته بمحذوف وجاز أيضاً في (أدخلها) الرفع والنصب، وإن علقت (أمس) بالسير احتجت إلى خبر لكان، فإن جعلت (حتى) غاية فهي وما بعدها في تأويل إلى ومجرورها لأن التقدير: حتى أن أدخلها أي: حتى دخولها والمعنى: إلى دخولها، فكأنك قلت: كان سيري إلى دخول المدينة (فإلى متعلقة بمحذوف أي منتهياً إلى دخول المدينة، وإذا جعلت حتى للاستئناف فالتقدير: كان سيري حتى أن أدخل المدينة) فالجملة التي هي: حتى أن أدخل المدينة خالية من ضمير يعود على اسم كان ظاهر ومقدر.
من روى لأبي الطيب:

نرى عظماً بالبين والصد أعظم
فالمعنى: إن البين يزيله قطع المسافة والصد لا تقطع مسافته. ومن روى:

نرى عظماً بالصد والبينُ أعظم
فالمعنى: إن الحبيب وإن صد فعين المحب تدركه وإذا فارق حال البعد من النظر إليه.
وقوله:

خوذٌ جنت بيني وبين عواذلي ... حربا وغادرت الفؤاد وطيسا