ما لم ينشر من الأمالي الشجريه

ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ٢٢

الوطيس في العربية مستعمل على معنيين: أحدهما معركة الحرب والآخر تنور من حديد وقيل قول ثالث: إنها حفرة يختبز فيها. وقيل: أول من قال: الآن حمي الوطيس، النبي صلى الله عليه وسلم، يريد الحرب، سبه اشتعالها باشتعال النار في التنور، قال ذلك يوم حنين. وقال تأبط شراً:

إني إذا حميَ الوطيسُ وأوقدتُ ... للحربِ نار منيةٍ لم أنكلِ
قال أبو الفتح: حمل الوطيس في البيت على التنور أشبه لأنه يريد حرارة قلبه. والقول الآخر غير ممتنع ههنا لأنهم يقولون: حميت الحرب واحتدمت وتضرمت، وأقول إن الأحسن عندي أن يكون أراد معركة الحرب لأمرين: أحدهما قوله: جنت حرباً، والآخر أن حرب العواذل إنما يكون باللوم واللوم إنما يلحق القلب دون غيره من الأعضاء فهو معركة حربهن.
وقوله في أبي علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي الكاتب:

لا تكثر الأموات كثرة قلّة ... إلّا إذا شقيت بك الأحياء
أراد بقوله: كثرة قلة، كثرة يقل لها الأحياء، قدر أبو الفتح مضافاً محذوفاً من قوله: بك، قال: أراد شقيت بفقدك، وذهب أبو العلاء المعري إلى القلة إما لأن الأحياء يقلون بمن يموت منهم وإما لأن الميت يقل في نفسه. وقال أبو زكريا: قول أبي الفتح شقيت بك يريد بفقدك يحيل معنى البيت لأن الأحياء شقوا به لأنه قتلهم. وأقول: إن الصحيح قول أبي الفتح إنه أراد شقيت بفقدك، وبهذا فسره علي بن عيسى الربعي قال: ذهب إلى أنه نعمة على الأحياء وفقده شقاء لهم. ومما حذفت منه هذه اللفظة التي هي الفقد قول المرقش:

ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراءِ المرءِ ما يعلم
أراد: ليس على فقد طول الحياة، لا بد من تقدير هذا.
وأظهر هذه اللفظة في هذا المعنى بعينه، وهو كون حياته نعمة وكون موته شقاء ونقمة الشاعر في قوله:

لعمرك ما الرَّزيّة فقد مالٍ ... ولا شاةٌ تموت ولا بعير
ولكنَّ الرزيّة فقد حرٍّ ... يموت لموته خلقٌ كثير
وقد صرح بهذا المعنى ما رواه الربعي عن المتنبي أنه قال: قال لي أبو عمر السلمي: عدت أبا علي الأوارجي في علته التي مات فيها بمصر فاستنشدني: لا تكثر الأموات كثرة قلةٍ.... فأنشدته فجعل يستعيده ويبكي حتى مات. فإذا كان المتنبي حكى هذا فهل يجوز أن يكون المعنى إلا على ما قدره أبو الفتح. وقوله:

لم تسم يا هارون إلا بعدما أق ... ترعت ونازعت اسمك الأسماء
قال فيه أبو الفتح أراد لم تسم بهذا الاسم إلا بعد ما تقارعت عليك الأسماء فكل أراد أن يسمى بع فخراً بك. وقال أبو العلاء: أجود ما يتأول في هذا أن يكون الاسم ههنا في معنى الصيت كما يقال: فلان قد ظهر اسمه أي قد ذهب صيته في الناس فذكره لا يشاركه فيه أحد وماله يشترك فيه الناس، فأما أن يكون عنى باسمه هارون فهذا يحتمله ادعاء الشعراء وهو مستحيل في الحقيقة لأن العالم لا يخلو أن يكون فيهم جماعة يعرفون بهارون.
والذي ذهب إليه أبو الفتح من إرادته اسمه العلم هو الصواب، وقول المعري أن الاسم هنا يريد به الصيت ليس بشيء يعول عليه لأن قول أبي الطيب: لم تسم معناه: لم يجعل لك اسم، وأما دفع المعري أن يكون المراد الاسم العلم بقوله: إن في الناس جماعة يعرفون بهارون، فقول من لم يتأمل لفظ صدر البيت الذي يلي هذا البيت وهو قوله:

فغدوتَ واسمك فيك غير مشاركٍ
والمعنى: إن اسمك انفرد بك دون غيره من الأسماء فمعارضته بأن في الناس جماعة يعرفون بهارون إنما يلزم أبا الطيب لو قال: فغدوت وأنت غير مشارك في اسمك، فلم يفرق المعري بين أن يقال: اسمك مشارك فيك وأن يقال: أنت غير مشارك في اسمك، وإنما أراد: إن اسمك انفرد بك دون الأسماء ولم يرد: انك انفردت باسمك دون الناس. فاللفظان متضادان كما ترى.

المجلس الثالث والثمانون
تفسير قول أبي الطيب المتنبي:

عزيز أسا من داؤه الحدق النجل ... عياءٌ به ماتَ المحبون من قبل
روى بعض الرواة: عزيز أساً بتنوين أساً ونصبه على التمييز كما تقول: عزيز دواء زيد، فرفعوا (من) بالابتداء وعزيز خبرها لأن (من) معرفة بصلتها أو نكرة مخصصة بصفتها فهي أولى بالابتداء في كلا وجهيها، وصفة من تكون على ضربين جملة ومفرد، فالجملة في قول عمرو بن قميئة:

يا ربَّ من يبغضُ أذوادنا ... رحنَ على بغضائه واغتدين