ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ٦
اختلف النحويون في مواضع من كاب الله تعالى منها قوله: (يبينُ اللهُ لكمْ أن تضلُّوا) ، (ومنها: (يبين لكمْ على فترةٍ من الرُّسلِ أن تقولوا ما جاءنا من بشيرٍ) ، ومنها: (ألستُ بربّكمْ قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يومَ القيامةِ إنَّا كنَّا عنْ هذا غافلينَ) ، ومنها: (وألقى في الأرضِ رواسيَ أن تميدَ بكمْ) ، ومنها: (إنَّ اللهَ يمسكُ السماواتِ والأرضَ أن تزولا) ، ومنها: (ولا تجهروا لهُ بالقولِ كجهرِ بعضكمْ لبعضٍ أن تحبطَ أعمالكمْ) ، ومنها: (يحرجونَ الرَّسولَ وإيَّاكمْ أن تؤمنوا باللهِ ربِّكمْ) ، وأضافوا إلى ذلك قول عمرو بن كلثوم:
نزلتم منزل الأضياف منا ... فعجلنا القرى أن تشتمونا
فقال الكسائي والفراء: يبين لكم لئلا تضلوا، وقال أبو العباس المبرد: بل المعنى: كراهة أن تضلوا. وكذلك قوله: (يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم) ، وقال الكوفيان معناه: لئلا تؤمنوا بالله، وقال المبرد: كراهة أن تؤمنوا بالله. وكذلك قول عمرو ابن كلثوم: فجعلنا القرى تشتمونا قالا معناه: لئلا تشتمونا، وقال أبو العباس: أراد كراهة أن تشتمونا، وقال علي بن عيسى الرماني: إن التقديرين في قوله تعالى: (يبين الله لكم أن تضلوا) واقعان موقعهما لأن، البيان لا يكون طريقاً إلى الضلال فمن حذف القسم في نحو: واله أقوم حذف المضاف لإقامة المضاف إليه مقامه أكثر من حذف لا. وأقول ليس يجري حذف لا في نحو: (يبين الله لكم أن تضلوا) مجرى حذفها من جواب القسم لأن الدلالة عليها إذا حذفت من جواب القس قائمة لأنك إذا قلت: والله أقوم، لو لم ترد لا لجئت باللام والنون فقلت: لأقومن.
فصل
زعم بعض النحويين أن (أنْ) قد استعملت بمعنى إذ في نحو: هجرني زيد أن ضربت عمرا، قال معناه: إذ ضربت واحتج بقول الله تعالى: (وعجبوا أن جاءهم مُّنذرٌ منهمْ) قال: أراد إذ جاءهم وبقوله: (ألمْ ترَ إلى الَّذي حاجّ إبراهيمَ في ربّهِ أنْ آتاهُ اللهُ الملكَ) ، وبقوله: (إنَّا نطمعُ أن يغفرَ لنا ربُّنا خطايانا أن كنَّا أوَّلَ المؤمنينَ) ، وبقوله: (ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أنْ يكبرواْ) ، وبقوله: (ولا يجرمنَّكمْ شنئانُ قوم أن صدُّكمْ عنِ المسجدِ الحرامِ) ، وبقوله: (أفنضربُ عنكمُ الذّكرَ صفحاً أن كنتمْ قوماً مسرفينَ) في قراءة من فتح الهمزة، وبقول الشاعر:
سالتاني الطلاق أن رأتاني ... قلَّ مالي قد جئتماني بنكر
وبقول جميل:
أحبك أنْ سكنت جبال حسمى ... وأنْ ناسبت بثنة من قريب
وبقول الفرزدق:
أتغضب أنْ قتيبة حزتا ... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم
وهذا قول خال من العربية والصواب أن (أنْ) في الآي المذكورة والأبيات الثلاثة على بابها فهي الفعل الذي وصلت به تأويل مصدر مفعول من أجله فقوله: (وعجبوا أنء جاءهم منذر منهم) استشهد به، ثم أقول أن تقدير إذ في بعض هذه الآي التي استشهد بها يفسد المعنى ويحيله، ألا ترى أن قوله تعالى: (ولا تأكلوها إسرافاً وبدارا أنْ يكبروا) لا يصح إلا بتقدير: من أجل أن يكبروا ويفسد المعنى بتقدير: إذ يكبروا، ثم إذا قدرها في هذه الآية بالظرف الذي هو إذ ونب بها الفعل فحذف نون يكبرون كان فساداً ثانياً.
قول جميل: ناسبت بثنة اسم محبوبته بثينة وإنما كبرها ضرورة والبثنة الزبدة.
المجلس الموفي الثمانين
يتضمن ما وعدت به من ذكر زلات مكي بن أبي طالب المغربي في "مشكل إعراب القرآن"
فمن ذلك أنه قال في قول الله سبحانه: (أولئكَ على هدًى منْ ربِّهمْ) واحد أولئك ذلك فإذا كان للمؤنث فواحده "ذي" أو "ذه" أو "تي". انتهى كلامه. وأقول إن أسماء الإشارة منها ما وضع للقريب ومنها ما وضع للمتراخي البعيد ومنها ما وضع للمتوسط. فالموضوع لقريب المذكر ذا والمؤنث ذي وذه وتا وللإثنين تان وللجماعة الذكور والإناث ألاء ممدود وألا مقصور وقالوا للمتوسط ذاك فزادوا الكاف وتيك ذانك وتانك واولاك وأولئك وقالوا للمتباعد الغائب ذلك فزادوا اللام وتلك وتالك قال القطامي:
.................. ... فان لتالك الغمم انقشاعاً
وقالوا أولاك على هذا أنشدوا:
أولالك قومي لم يكونوا أشابة ... وهل يعظ الضليل إلا أولالكا