ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ٤
وزعم قوم أن (إنْ) وردت بمعنى (إذْ) واستشهدوا بقوله تعالى: (وذروا ما بقيَ منَ الرّبوا إن كنتمْ مؤمنينَ) فقالوا المعنى: إذ كنتم مؤمنين لأن الخطاب للمؤمنين ولو كانت إن للشرط لوجب أن يكون الخطاب لغير المؤمنين، (ومثله: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتمُ الأعلونَ إن كنتمْ مؤمنينَ)) ، ومثله أيضاً: (فاللهُ أحقُّ أن تخشوهُ إن كنتم مؤمنينَ) . وقال من رد هذا لقول: إن للشرط والمعنى: من كان مؤمناً ترك الربا ومن كان مؤمنا لم يخش إلا الله وهذا أصح القولين.
وقد حكى قطرب أن إن قد جاءت بمعنى قد وهو من الأقوال التي لا ينبغي أن يعرج عليها.
ذكر أقسام أنْ المفتوحة المخففة
فأحد أقسامها أن تدخل على الفعل فتكون معه في تأويل مصدر (إن كان ماضياً أو مستقبلاً أو أمرياً وهذا الحرف أحد الحروف الموصولة فيكون مع صلته في تأويل مصدر) في موضع رفع مثاله: (وأن تصوموا خيرٌ لَّكمْ) .
أي: وصومكم ومثله: (وأن تعفوا أقربُ للتَّقوى) أي وعفوكم.
ومن المرفوع بكان: (أكانَ للنَّاسِ عجباً أنْ أوحينا) و (فما كانَ جوابَ قومهِ إلا أن قالوا) في قراءة من نصب الجواب. ومن المنصوب: (يريدُ اللهُ أن يخفِّفَ عنكمْ) و (إنِّا أرسلنا نوحاً إلى قومهِ أنْ أنذرْ قومكَ) معناه بأن أنذر قومك فلما حذفت الباء تعى الفعل فنصب ومنه في أحد القولين: (ما قلتُ لهمْ إلَّا ما أمرتني بهِ أنِ اعبدوا اللهَ) قوله: (أنِ اعبدوا الله) في موضع نصب على البدل من قوله: (ما أمرتني به) ويجوز أن تكون (أنْ) ههنا مفسرة بمعنى (أيْ) فلا يكون لها موضع من الإعراب. ومثال المجرور: (قالوا أوذينا من قبلِ أن تأتينا) أي من قبل أتيانك. وتقع بد عسى مع صلتها في تأويل مصدر منصوب إذا كانت عسى ناقصة كقولك: عسى زيد أن ينطلق ومثله: (عسى ربُّكمْ أن يرحمكمْ) ، وتكون في تأويل مصدر مرفوع إذا كانت عسى تامة كقولك: عسى أن انطلق ومثله: (وعسى أن تكرهوا شيئاً.. وعسى أن تحبُّوا شيئاً) .
والقسم الثاني من أقسامها أن تكون مخففة من الثقيلة ويليها الاسم والفعل فإذا وليها الاسم فلك فيه مذهبان: أحدهما أن تنصبه على نية تثقيلها، تقول: علمت أن زيداً قائم، قال الشاعر:
فلو أنكِ في يوم الرخاء سألتني ... فراقكِ لم أبخلْ وأنتِ صديق
وقال كعب بن زهير:
وقد علم الضيف والمرملون ... إذا أغبر أفق وهبت شمالا
بأنك ربيع وغيث مريع ... وقدما هناك تكون الثمالا
المرملون الذين لا زاد معهم والمريع الكثير النبات. غيث مريع ومكان مريع وقد مرع المكان امرع. وهبت شمالا أضمر الريح ولم يجر لها ذكر فنصب شمالاً على الحال وقد أشبعت الكلام في هذا النحو، وهناك في هذا البيت ظرف زمان وإنما وضع ليشار به إلى المكان واتسع فيه، ومثله في التنزيل: (هنا لكَ الواليةُ للهِ الحقِّ) و (هنالكَ دعا زكريَّا ربَّهُ) والثمال الغيث. ومما جاء فيه أن معملة على هذا الوجه من أشعار المحدثين قول المتنبي:
وأنكَ بالأمس كنت محتلما ... شيخ معد وأنت أمردها
في قوله محتلما كلام رأيت إيراده لما فيه من الفائدة، وذلك أن محتلما حال وخبر كان قوله: شيخ معد فالعامل في الحال كان ومن منع من إعمال كان في الأحوال فغير مأخوذ بقوله لأن الحال فضلة في الخبر منكورة فرائحة الفعل تعمل فيها فما ظنك بكان وهي فعل متصرف تعمل الرفع والنصب في الاسم الظاهر والمضمر وليست كلن في نصبها الحال بأسوأ حالاً من حرف التنبيه واسم الإشارة. وحكى أبو زكريا في تفسيره لشعر المتنبي عن أبي العلاء المعري أنه قال: زعم بعض النحويين أن كان لا تعمل في الحال، قال: وإذا أخذ بهذا القول جعل العامل في (محتلما) من قوله: أنك بالأمس (كنت محتلما الفعل المضمر الذي عمل في قوله: بالأمس) ! وأقول: إن هذا القول سهو من قائله، وحاكيه، لأنك إذا علقت قوله: بالأمس بمحذوف فلا بد أن يكون (بالأمس) خبراً لأن أو لكان لأن الظرف لا تعلق بمحذوف إلا أن يكون خبراً أو صفة أو حالاً أو صلة ولا يجوز أن يكون خبراً لأن ولا لكان لأن ظروف الزمان لا توقع أخباراً للجثث ول صفات لها ولا صلات ولا أحوالاً منها، وإذا استحال أن يتعلق قوله (بالأمس) بمحذوف علقته بكان وأعملت كان في (محتلما) .