ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ٢٤
التقدير: كفاك داء رؤيتك الموت، ومنه: كفى بجسمي نحولاً أنني رجل لأن فاعل كفى أن وما اتصل بها، وأسبك لك من ذلك فاعلاً بما دل عليه الكلام من النفي بلم وامتناع الشيء لوجود غيره بلولا فالتقدير: كفى بجسمي نحولاً انتفاء رؤيتي لولا وجود مخاطبتي. وانتصاب (نحولا) على التفسير والتفسير في هذا النحو للفاعل دون المفعول، فوكيلا تفسير لاسم الله تعالى، ونحولاً تفسير لانتفاء الرؤية، كما كان (فضلا) في بيت الأنصاري تفسيراً لحب النبي إياهم. فقد بان لك الفرق في الإعراب بين: كفى بجسمي نحولاً و"كفى بالله وكيلاً" من حيث كان (بالله) فاعلاً وبجسمي مفعولاً. وإنما زيدت الباء في نحو: كفى بالله، حملا على معناه إذ كان بمعنى: اكتف بالله، ونظيره قولهم: حسبك بزيد، زادوا الباء في خبر حسبك لما دخله معنى اكتف. وأما رجل من قوله: أنني رجل، فخبر موطئ وإنما الخبر في الحقيقة هو الجملة التي وصف بها رجل والخبر الموطئ هو الذي لا يفيد بانفراده مما بعده كالحال الموطئة في نحو: (إنَّا أنزلناهُ قرآناً عربياً) ، ألا ترى أنك لو اقتصرت على رجل هنا لم تحصل به فائدة، وإنما الفائدة مقرونة بصفته فالخبر الموطئ كالزيادة في الكلام، فلذلك عاد الضميران اللذان هما الياءان في مخاطبتي ولم ترني إلى الياء في أنني ولم يعودا على رجل لأن الجملة في الحقيقة خبر عن الياء في أنني وإن كانت بحكم اللفظ صفة لرجل، ولو قلت إن (رجل) لما كان هو الياء التي في أنني من حيث وقع خبراً عنها عاد الضميران إليه على المعنى كان قولاً، ونظيره عود الياء إلى الذي في قول علي عليه السلام:
أنا الذي سمتنِ أمّي حيدره
لما كان الذي هو أنا في المعنى، وليس هذا مما يحمل على الضرورة، لأنه قد جاء مثله في القرآن نحو: (بلْ أنتمْ قومٌ تجهلونَ) ، فتجهلون فعل خطاب وصف به اسم غيبة كما ترى، ولم يأت بالياء وفاقاً لقوم، ولكنه جاء وفق المبتدأ الذي هو أنتم في الخطاب، ولو قيل: بل أنتم قو لم يحصل بهذا الخبر فائدة، ومما جاء من ذلك في الشعر لغير ضرورة قوله:
أأكرمَ من ليلى عليّ فتبتغي ... به الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها
أعاد من أطيعها ضمير المتكلم، ولم يعد ضمير غائب وفاقاً لامرئ، فهذا دليل إلى دليل التنزيل فاعرف هذا وقس عليه نظائره.
ومما أهمل مفسرو شعر أبي الطيب تعريبه قوله:
بئس الليالي سهدت من طربي ... شوقاً إلى من يبيت يرقدها
يتوجه في هذا البيت السؤال عن المقصود فيه بالذم، وما موضع (من طربي) من الإعراب؟ وما الذي نصب شوقاً؟ وكم وجهاً في نصبه؟ وبم يتعلق إلى؟ وكم حذفاً في البيت؟.
فأما المقصود بالذم فمحذوف وهو نكرة موصوفة بسهدت والعائد إليه من صفته محذوف أيضاً فالتقدير: ليال سهدت فيها، ونظير هذا الحذف في التنزيل في قوله: (ومنْ آياتهِ يريكمْ البرقَ) ، التقدير: آية يريكم فيها البرق. وجاء في الشعر حذف النكرة المجرورة الموصوفة بالجملة في قول الراجز:
مالك عندي غير سهمٍ وحجر ... وغير كبداءَ شديدةِ الوتر
جادت بكفَّي كان من أرمى البشر
أراد: بكفي رجل فحذف رجلاً وهو ينويه.
وقوله: من طربي، مفعول له ومن بمعنى اللام كما تقول: جئت لأجلك ومن أجلك لمخافته شره ومن مخافة شره، (ولا تقتلواْ أولادكمْ مِّنْ إملاقٍ) أي لإملاق.
وشوقاً يحتمل أيكون مفعولاً من اجله عمل فيه (طربي) فيكون الشوق علة للطرب والطرب علة للسهاد، ولا يعمل سهدت في (شوقاً) لأنه تعدى إلى علة فلا يتعدى إلى أخرى، إلا بعاطف كقولك: أقمت سهداً وخوفاً، وسهدت طرباً وشوقاً. ويحتمل (شوقاً) أن ينتصب انتصاب المصدر كأنه قال: شقت شوقاً أو شاقني التذكر شوقاً، وشقت ما لم يسم فاعله، كقول المملوك: قد بعت، أي باعني مالكي، وكقول الأمة وقد سئلت عن المطر: غثنا ما شئنا، والأصل: غاثنا الله.
فأما إلى فالوجه أن تعلقها بالشوق لأنه أقرب المذكورين إليها، وإن شئت علقتها بالطرب، وذلك إذا نصبت شوقاً بطربي، فإن نصبته على المصدر امتنع تعليق إلى بطربي لأنك حينئذ تفصل ب (شوقاً) وهو أجنبي بين الطرب وصلته، وكان الوجه في يرقدها: يرقد فيها كما تقول: يوم السبت خرجت فيه، ولا تقول: خرجته إلا على سبيل التوسع في الظرف، تجعله مفعولاً به على السعة، كقوله:
ويوماً شهدناه سليماً وعامراً