ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ٢٣
وفي قول الآخر:
ربّ من انضجتَ غيظاً صدره ... قد تمنى لي موتاً لم يطع
والمفرد في قول حسان: فكفى بنا فضلا على من غيرنا=حب النبي محمدٍ إيّانا فمن نكرة البيت الأول والثاني لأن رب لا تليها المعرفة، وفي البيت الثالث لأن المفرد لا يكون صلة فكأنه قال: على ناس غيرنا (أو قومٍ غيرنا) ، وإن رفعت (غيرنا) بأنه خبر مبتدأ محذوف تريد: من هو غيرنا، فجعلت (من) موصولة كقراءة من قرأ: (تماماً على الَّذي أحسنَ) ، يريد: هو أحسن، جاز، ومثله ما رواه الخليل من قولهم: ما أنا بالذي قائل لك شيئاً.
ويجوز في قول من نون أساً أن يرفع (من) بعزيز رفع الفاعل بفعله على ما يراه الأخفش والكوفيون من إعمال اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة باسم الفاعل وإن لم يعتمدن، كقولك: قائم غلاماك ومضروب صاحباك وظريف أخواك، والوجه أعمالهن إذا اعمدن على مخبر عنه أو موصوف أو ذي حال، وأقل ما يعتمدن عليه همزة الاستفهام وما النافية.
وروى آخرون إضافة أساً ورفعه بالابتداء لتخصصه بالإضافة وعزيز خبره. وإن شئت رفعت عزيزاً بالابتداء ورفعت أساً على المذهب الأضعف.
وأما عياء ففي رفعه ثلاثة أوجه: إن شئت جعلته خبراً بعد خبر كقولهم: هذا حلو حامض أي قد جمع الطعمين. وإن شئت أبدلته من الحدق لأنها هي الداء في المعنى فكأنك قلت: من داؤه عياء. وعزيز هنا يحتمل أن يكون من عز الشيء إذا قل وجوده، ويحتمل أن يراد به: شديد صعب غالب للصبر من قولهم: عزه يعزه إذا غلبه، ومنه: (عزيزٌ عليه ما عنتُّم) أي شديد عليكم عنتكم أي هلاككم. وللأسى وجهان: أحدهما الحزن وفعله أسيَ يأسى والآخر العلاج والإصلاح وفعله: أسا يأسو، يقال: أسوت الجرح، إذا أصلحته وداويته، أسواً وأساً، قال الأعشى:
عنده الحزمُ والتُّقى وأسا الصَّر ... عِ وحملٌ لمضلعِ الأثقالِ
وحدفة العين: سوادها والجمع حدق وحداق فحدق من باب قصبة وقصب وحداق مثل رقبة ورقاب ورحبة ورحاب. والنجل جمع نجلاء والمصدر النجل وهو السعة في حسن.
تفسير قوله
كفى بجسمي نحولاً أنَّني رجلٌ ... لولا مخاطبتي إيّاكَ لم ترني
يتوجه في هذا البيت سؤال عن الفرق في الإعراب بين: كفى بجسمي نحولاً (وكفى باللِه وكيلاً) . وسؤال ثانٍ وهو أن أنَّ المفتوحة تكون مع خبرها في تأويل مصدر كقولك: بلغني أنك ذاهب أي بلغني ذهابك، فبأي مصدر تتقدر في هذا البت. وسؤال ثالث وهو أن يقال أن الجملة التي هي: لولا مخاطبتي إياك لم ترني، وصف لرجل ورجل اسم غيبة فكيف عاد إليه منها ضمير متكلم، وكان القياس أن يقال: لولا مخاطبته إياك لم تره؟ الجواب: إن كفى مما غلب عليه زيادة الباء تارة مع فاعله وتارة مع مفعوله، ودخولها على مفعوله قليل، فزيادتها مع الفاعل مثل: كفى بالله، المعنى: كفى الله، ويدلك على أنها مزيدة في (بالله) قول سحيم: كفى بالشيب والإسلام للمرءِ ناهياً وأما زيادتها مع المفعول فمنه ما أوردته من قول الأنصاري:
فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حبّ النبي محمدٍ إيّانا
ومنه:
كفى بك داءً أن ترى الموتَ شافياً