ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ١٩
إن قيل: كيف قابل القهقهة وهي صوت باللطم وليس بصوت وإنما كان حق الكلام أن يضع في موضع تلطم تولول أو تبكي أو نحو ذلك لأنه إنما شبه حديثه بقهقهة القرد فشبه صوتاً بصوت ولا معنى لتشبيه الحديث باللطم، وعن هذا السؤال جوابان: أحدهما أنه شبه حديثه بقهقهة قرد أو بلطم عجوز خدها في مناحة ولطم النساء في المناحة لا بد أن يصحبه صوت فلما اضطره الوزن والقافية إلى ذكر اللطم الدال على الولولة والنوح اكتفى بذكر الدليل عن المدلول عليه وأوهنا للإباحة فكأنه وتولول فكذلك، والجواب الثاني: إنه شبه شيئين بشيئين، شبه حديثه بقهقهة القرد وشبه إشارته في أثناء حديثه بلطم العجوز، وإنما جعل حديثه كضحك القرد لأنه لعيه غير مفهوم الحديث وجعله مشيراً بيديه لأنه لا يقدر على الإفصاح فهو يستعين بالإشارة إذا حدث كما أشار باقل حين عجز عن الجواب وقد مر بقوم ومعه ظبي اشتراه بأحد عشر درهماً، وهو متأبطه، فقالوا له: بكم اشتريت الظبي فمد يديه وفرق أصابعه ودلع لسانه، يريد بأصابعه عشرة دراهم وبلسانه درهماً، فشرد الظبي حين مد يديه. وقد ضمن هذا التشبيه معنى آخر وهو أنه أراد قبح وجهه وكثرة تشنجه فهو في القبح كوجه القرد وفي التغضن، وهو التشنج، كوجه العجوز، فأن قيل: كيف يشبه شيئين بشيئين ويعطف بأو وهي لأحد الشيئين وإنما حق ذلك العطف بالواو لأن التقدير: وإذا أشار محدثاً فكأنه في حديثه قرد يقهقه وفي إشارته إلى عجوز تلطم؟ فعن هذا الاعتراض جوابان: أحدهما أن (أو) ههنا للإباحة، وقد قدمت ذكر ذلك، والثاني أن (أو) قد وردت في مواضع من كلام العرب بمعنى الواو واعتمد بعض النحويين على ذلك، وأنشدوا:
فقلت البثوا شهرين أو نصف ثالثٍ ... إلى ذاكما ما غيّبتني غيابيتا
أراد: ونصف ثالث. قال الأصمعي: الكركرة والقهقهة رفع الصوت بالضحك والاستغراب أشد منهما قوله:
يقلى مفارقة الأكف قذاله ... حتى يكاد على يد يتعمم
القلى البغض مكسور مقصور، وقد صرفت العرب منه مثالين: قلاه يقليه مثل رماه يرميه وقليه يقلاه مثل رضيه يرضاه وهو من الياء بدلالة يقلي، ولو كان من الواو كان يقلو وأنشدوا في يقلي:
وترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكن إياك لا أقلي
وفي التنزيل: (ما ودَّعكَ ربُّكَ وما قلى) . وروى أبو الفتح لغة ثالثة: قلاه يقلوه قلاءً مثل رجاه يرجوه رجاء وأنشد:
أن تقل بعد الود أم محلمٍ ... فسيّان عندي ودها وقلاؤها
والقذال جماع مؤخر الرأس، ويجوز أن يرتفع قذاله بإسناد يقلي إليه كأنه قال: يبغض قذاله مفرقة الأكف إياه ويجري إسناد البغض إلى القذال مجرى إسناد الاشتهاء إلى السفن في قوله: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
والوجه أن تضمر في قلي فاعلاً وتعمل المفارقة في القذال، فإن نصبته فالأكف فاعلة وإن رفعته فالأكف مفعولة على منهاج:
قرع القواقيز أفواه الأباريق.
يقول: يحب أن يقفد حتى أنه ليكاد يتعمم على يد قافده أي صافعه، فقوله: يقلي مفارقة الأكف قذاله، كقولك: يحب مواصلة الأكف قفاه. ومنها قوله:
وتراه أصغر ما تراه ناطقاً ... ويكون أكذب ما يكون ويقسم
هذا البيت قد تكلمت عليه وأوضحت وجوه إعرابه فيما قدمته من الأمالي، وهو والأبيات الأربعة التي ذكرتها قبله وذكرت ما اقتضته من التفسير مهملة كلها في تفسير أبي زكريا لم يصحب بيتاً منها كلمة فذة، وأبو الفتح ذكر في بيتين منها أحرفاً يسيرة.
حذف أبو الطيب أن ورفع الفعل في قوله: يا حاديي عيرها وأحسبني=وأوجد ميتاً قبيل أفقدها وحذفها في هذا النحو للضرورة، ولا يجوز عند البصريين النصب بها مضمرة إلا بعد عوض كإضمارها بعد الفاء في جواب ما ليس بواجب كالنهي في قوله تعالى: (لا تفترواْ على اللهِ كذباً فيسحتكمْ) والكوفيون يرون النصب بها محذوفة وإن لم يكن عوض وينشدون قول طرفة:
ألا أيها الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
بنصب: أحضر، وعلى مذهبهم قال أبو الطيب:
بيضاء يمنعها تكلم دلها ... تيهاً ويمنعها الحياء تميساً
والمراد بتصغير الظروف تقريب الأوقات والأماكن كقولك: خرجت قبيل الظهر وبعيد المغرب وقعدت دوين الحائط، كما قال ذو القروح يصف ذنب فرسه:
بضافٍ فويق الأرض ليس بأعزل