ما لم ينشر من الأمالي الشجريه

ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ١٧

والمذهب الآخر مذهب الخليل، وذلك أنه يرفع اسم الحدث بالابتداء ويخبر بالظرف المتقدم، حكى ذلك عنه سيبويه في قوله: وزعم الخليل أن (التهدد) ههنا، يعني في بيت الأسود، بمنزلة: الرحيل بعد غد وأن (أن) بمنزلة وموضعها كموضعه. انتهت حكايته عن الخليل وأقول: إن اعترض معترض وقال: كيف تحكمون على أن المفتوحة بالابتداء والعرب لم تبتدئ بها؟ فالجواب: أنهم لم يبتدئوا بها لئلا يعرضوها لدخول إن المكسورة عليها، وإذا كانوا قد كرهوا دخول المكسورة على لام التوكيد لأنهما بمعنى واحد فكراهيتهم لدخولها على أن مع تقارب لفظيهما واتفاقهما في العمل والمعنى أشد فلما ألزموها التأخير استجازوا رفعها بالابتداء لأن إن المكسورة لا تباشرها إذا دخلت على الجملة كقولك: إن من الصواب أنك تنطلق، ومثل قوله: أحقاً أن جيرتنا استقلوا، (ومنْ آياتهِ أنَّكَ ترى الأرضَ خاشعةً) على المذهبين.
قال أبو العلاء المعري في تفسير قوله: منًى كنَّ لي ... البيت: لو إن هذا الكلام في غير الشعر لكان ثبوت الألف واللام في (شباب) أحسن لأنه مضاه لقولهم: المشيب، وكانت العرب في الجاهيلة إذا اتفق لها مثل هذا آثرت دخول لام التعريف وإن قبح في السمع، وأكثر ما يجيء في شعر امرئ القيس فمنه قوله:

فان أمسِ مكروباً فيا ربَّ بهمةٍ ... كشفت إذا ما اسودَّ وجهُ الجبانِ
فقد أساءت الألف واللام والوزن عند السامع وآثرها قائل البيت على الحذف ولو حذف لكان الحذف أحسن في الغريزة ولكن دخول الألف واللام أثبت في تمكين اللفظ، وكذلك قوله:

فلما أجنّ الشّمسَ عني غؤورها ... نزلت إليه قائماً بالحضيضِ
وأقول: إن اللام فيما ذكره أبو العلاء لا تخلو أن تكون لتعريف الجنس أو تكون عوضاً من تعريف الإضافة إلى الضمير فكونها لتعريف الجنس في مثل قوله: وجه الجبان، وكونها عوضاً من تعريف الإضافة في مثل قولك: حسن الوجه، الأصل: حسن وجهه فلما حذفت الهاء من وجهه عرفته باللام، ولو قلت: حسن وجهٍ، جاز على ضعف لأنه قد علم أنك لا تعني من الوجوه إلا وجه المذكور، فحق شباب في بيت المتنبي أن يكون معرفاً باللام عوضاً من تعريف الإضافة إلى الضمير من حيث كان مراده، شبابي فدخول اللام ههنا لو استعمل أقلق الوزن إلا أنه كان يكمل المعنى واللفظ على أن إسقاط اللام منه زحاف، وقد قيل: رب زحاف أطيب في الذوق من الأصل.
قال أبو الفتح في تفسير البيت: يقول شيبي هذا منى كن لي قديماً وإنما كنت أتمنى المشيب ليخفي شبابي. والقرون الذوائب واحدها قرن.

مسألة الفرق بين اسم الفاعل والمصدر في العمل
إن اسم الفاعل يضاف إلى المفعول ولا يضاف إلى الفاعل لأن اسم الفاعل عبارة عن الفاعل والشيء لا يضاف إلى نفسه. والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول. واسم الفاعل يعمل إذا كان للحال أو الاستقبال ولا يعمل إذا كان لما مضى وذلك لأن اسم الفاعل يشبه الفعل المضارع ولا يشبه الماضي من جهة أنه يجري على المضارع في حركاته وسكونه وعدد حروفه فمدحرج جار على يدحرج وليس بجار على دحرج فلما أشبه بجريانه عليه حمل عليه في العمل وحمل الفعل على اسم الفاعل في الإعراب. والمصدر يعمل إن كان للماضي من الزمان أو الحاضر أو المستقبل. ومن الفرق بينهما أن المصدر يعمل معتمداً وغير معتمد واسم الفاعل لا يعمل عند سيبويه إلا معتمداً واعتماده أن يكون وصفاً أو خبراً أو حالاً ويعتمد على الموصوف أو المخبر عنه أو ذي الحال. واسم الفاعل يضمر الفاعل فيه والمصدر يحذف الفاعل منه، وإنما أضمر الفاعل في اسم الفاعل لأنه مشتق من الفعل فاضمروا فيه الفاعل كما أضمروه في الفعل والمصدر بعكس ذلك لأن الفعل مشتق منه. واسم الفاعل يتقدم منصوبه عليه كما يتقدم على الفعل، والمصدر لا يتقدم عليه منصوبه لأن المصدر المعمل عمل الفعل مقدر بأن والفعل وأن حرف موصول والصلة لا تتقدم على المصول لأنهما بمنزلة كلمة فإن شئت قدرته بأن وفعل سمي فاعله وإن شئت بأن وفعل لم يسم فاعله، فالأول كقول الله تعالى: (فمن تابَ منْ بعدِ ظلمهِ) أي: من بعد أن ظلم، والثاني كقوله: (ولمنِ انتصرَ بعدَ ظلمهِ) أي: بعد أن ظلم.

المجلس الثاني والثمانون
يتضمن ذكر أبيات من شعر أبي الطيب
منها قوله يهجو إسحاق بن إبراهيم بن كيغلغ: