ما لم ينشر من الأمالي الشجريه

ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ١٥

وأقول إن "إن" ليست من الحروف التي تنصب الأحوال كما تنصبها كأن نحو كأن زيداً محاراً أسد لما في كأن من التشبيه الذي ضارعت به الفعل ولكن ويجوز أن يكون قوله "إخواناً" حالاً من المضمر في الظرف الذي هو خبر إن لأنه ظرف تام والظروف التوامُّ تنصب الأحوال لنيابتها عن الاستقرار والكون فالتقدير إن المتقين مستقرون في جنات، وجاز أن يكون "إخواناً" حالاً من هذا الضمير على ضعف وذلك لبعد الحال منه لأن مجموع هذه الآيات تشتمل على ثلاث جمل الأولى أن المتقين في جنات. والثانية ادخلوها بسلام. والثالثة ونزعنا ما في صدورهم من غلٍّ. فإن جعلت إخواناً حالاً من الواو في "أدخلوها" فهي حال مقدرة لقوله (على سررٍ متقابلين) لأنهم لا يدخلونها وهم متقابلون على سرر وإنما يكون ذلك بعد الدخول فالتقدير مقدرين التقابل على سرر. وإن جعلت الحال من المضمر في "آمنين" فحسن. وإن جعلتها من الضمير الذي هو الهاء والميم في "صدورهم" فالحال من المضاف إليه ضعيفة وقد بسطت القول في هذا النحو فيما تقدم ولكن يجوز ويحسن أن يكون قوله "إخوانا" حالاً من هذا الضمير شيئان أحدهما قربه منه والآخر أن المضاف الذي هو الصدور بعض المضاف إليه فكأنه قيل ونزعنا ما فيهم من غل، فليس هذا المضاف كالمضاف في قول تأبط شراً

سلبت سلاحي بائساً وشتمتني
فاعرف الفرق بين الحالين.
وقال في قوله عز وجل في سورة مريم: (ثمَّ لننزعنَّ من كلِّ شيةٍ أيُّهمْ أشدُّ) ذهب يونس إلى أن (أيُّهم) رفع بالابتداء لا على الحكاية ويعلق الفعل وهو "لننزعنّ" فلا يعمله في اللفظ. ولا يجوز عليق مثل لننزعن عند سيبويه والخليل وإنما يجوز أن يعلق أفعال الشك وشبهها مما لم يتحقق وقوعه.
قلت: اختصاصه بالتعليق أفعال الشك وشبهها مما لم يتحقق وقوعه خطأ لأن أفعال العلم ولها في تحقق الوقوع القدم الراسخة، فمما علق فيه الماضي منها عن لام الابتداء قوله تعالى: (ولقدْ علمواْ لمنِ اشتراهُ مالهُ في الآخرةِ منْ خلاقٍ) ومما علق فيه المستقبل منها عن الاسم الاستفهامي قوله: (ولتعلمنَّ أيُّنا أشدُّ عذاباً) . هذه جملة ما علقت به من سقطات هذا الكتاب على أنني لم أبالغ في تتبعها وإنما ذكرت هذه الردود على هذه الأغاليط لئلا يغتر بها مقصر في هذا العلم فيعول عليها ويعمل بها والله ولي التوفيق للصلاح في كل ما أنويه واعتمده بمنه وطوله.
مما دقق فيه أبو الطيب قوله:

لا يستكنُ الرعبُ بين ضلوعه ... يوماً ولا الإحسان أن لا يحسنا
وأقول إن الإحسان في اللغة على معنيين الأول نظير الإنعام ونقيض الإساءة ويتعدى فعله بحرف خفض إما إلى أو الباء، تقول: أحسنت إليه كما جاء: (وأحسن كما أحسنَ اللهُ إليكَ) ، وإن شئت: أحسنت به كما (جاء في التنزيل أيضاً) : (وقدْ أحسنَ بي إذْ أخرجني منَ السِّجنِ) ، وكذلك نقيضه تقول: أسأت إليه وأسأت به، قال كثير:

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومةٌ ... لدينا ولا مقليَّةٌ إنْ تقلَّتِ
والثاني أن يكون الإحسان بمعنى إجادة العمل، يقال: هو يحسن كذا، إذا كان عارفاً به حاذقاً له وفعله يتعدى بنفسه كما ترى، ومنه التنزيل: (وهمْ يحسبونَ صنّعاً) ، وقال امرؤ القيس:

وقد زعمت بسباسةُ اليومً أنني ... كبرتُ وأن لا يحسنُ اللهوَ أمثالي
وقال الراجز: قد قارعتْ معنٌ قراعاً صلبا=قراعَ قومٍ يحسنونَ الَّضربا فقول أبي الطيب: "أن لا يحسنا" معمول الإحسان فكأنه قال: ولا يستكن بين ضلوعه أن يحسن أن لا ينعم، ومثله قول الآخر:

يحسنُ أن يحسنَ حتى إذا ... رامَ سوى الإحسان لم يحسنِ
المعنى يجيد أن ينعم حتى إذا ما رام سوى الإنعام لم يجد ما رامه. ومن قيله:

منًى كنَّ لي أنّ البياضَ خضابُ ... فيخفى بتبييض القرونِ شبابُ
لياليَ عند البيضِ فواديَ فتنةٌ ... وفخرٌ وداكَ الفخرُ عندي عابُ
منًى مبتدأ وإن كان نكرة وقد يفيد الابتداء بالنكرة إذا أخبرت عنها بجملة تتضمن اسماً معرفة كقولك: امرأة خاطبتني، وكذلك إن أخبرت بظرف مضاف إلى معرفة كقولك: رجل خلفك، قال الهذيل بن مجاشع:

ونارُ القرى فوقَ اليفاع ونارهم ... مخبأةٌ بتُّ عليها وبرنسُ