ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ١٤
يعني أن النحاس ذكر أن قوله: (والذين لا يجدون) عطف على "المطوعين" ومنه هو من هذا لأن المطوعين بزعمه لم تتم صلته وليس الأمر على ما قال بل صلة الألف واللام من المطوعين آخرها قوله (في الصدقات) واحتج بأن المطوعين لم تتم صلته بعطف يسخرون على يلمزون وأي حجة في هذا ويلمزون فبل المطوعين، وزعم أن الذين لا يجدون عطف على المؤمنين وهذا غير صحيح لأن تقدير الكلام على قوله: يلمزون من تطوع من المؤمنين ومن الذين لا يجدون إلا جهدهم فيكون الذين لا يجدون إلا جهدهم غير مؤمنين لأن المعطوف يلزمه أن يكون غير المعطوف عليه، تقول: جاءني أصحابك والرجال النصارى فيكون النصارى غير أصحابك وجاءني الرجال النصارى وأصحابك فيكون أصحابك غير نصارى والصواب عطف الذين لا يجدون على المطوعين فالتقدير: يلمزون الأغنياء المطوعين ويلمزون ذوي الأموال الحقيرة الذين لا يجدون إلا جهدهم، وذلك أن عبد الرحمن بن عوف أتى بصرة من الذهب تملأ الكف وأتى رجل يقال له أبو عقيل بصاع من تمر فعابه المنفقون بذلك فقالوا: رب محمد غني عن صاع هذا. فالنحاس إذن مصيب والراد عليه هو المخطئ.
وقال في قوله تعالى في سورة يونس: (ولوْ يعجِّلُ اللهُ للنَّاسِ الشَّرَّ استعجالهم بالخير) قوله استعجالهم مصدر تقديره: استعجالاً مثل استعجالهم ثم أقام الصفة وهي مثل مقام الموصوف وهو الاستعجال ثم أقام المضاف وهو مثل، هذا مذهب سيبويه. وقيل تقديره (في استعجالهم وقيل) كاستعجالهم فلما حذف حرف الجر نصب ويلزم من قدر حذف حرف الجر منه أن يجيز: زيد الأسد فينصب الأسد على تقدير: كالأسد.
قلت لا يلزم من قدر الكاف في قوله استعجالهم أن يجيز: زيد الأسد لأن الكاف حرف شاعت فيه الاسمية حتى دخل عليه الخافض وأسند إليه الفعل وليس من الحروف الخافضة التي إذا أسقطتها نصبت ما بعدها وإنما هي أداة تشبيه إذا حذفت جرى ما بعدها على إعراب ما قبلها كقولك: فينا رجل كأسد ورأيت رجلاً كأسد ومررت برجل كأسد. تقول إذا ألقيته: فينا رجل أسد ورأيت رجلاً أسداً ومررت برجل أسد فلا يجوز: زيد الأسد بالنصب لأن منزلتها منزلة مثل في قولك: زيد مثل بكر، تقول إذا حذفت مثلاً: زيد بكرٌ كما قال الله تعالى: (وأزواجهُ أمَّهاتهمْ) ولعمري أن قول سيبويه في الآية هو الوجه ومن قدر الكاف وحذفها فنصب ما يعدها فلأن ما قبلها منصوب.
وقال في قوله تعالى: (فزيَّلنا بينهمْ) هو فعلنا من زلت الشيء عن الشيء فأنا أزيله إذا نحيته والتشديد للتكثير ولا يجوز أن يكون فيعلنا من زوال يزول لأنه يلزم فيه الواو فيقال: زولنا. وحكى أنه فريء: فزايلنا من قولهم: لا أزايل فلاناً أي لا أفارقه ومعنى زايلنا وزيلنا واحد. انتهى كلامه.
أما قوله لا يجوز أن يكون فيعلنا من زال يزول لأنه يلزم فيه الواو فيقال زولنا صحيح من قبل أنه لو كان فيعلنا من زال يزول كان أصله زيولنا ثم تصير الواو ياء لوقوع الياء قبلها ساكنة ثن تدغم الياء في الياء فقال: زيلنا وذلك أن من شرط الياء والواو إذا تلاصقنا والأولى منهما ساكنة أن تقلب الواو يا ولا تقلب الياء واواً كما زعم مكي فمما تقدمت فيه الياء قولهم في فيعل من الموت ميت ومن هان يهون سواد يسود هين وسيد الأصل: ميوت وهيون وسيود ففعل فيهن ما ذكرنا. ومما تقدمت فيه الواو الشي والطي واللي مصادر شويت وطويت ولويت أصلهن: شوي وطوي ولوي ثم صرن إلى القلب والإدغام.
وقال في قوله تعالى في سورة الحجر: (إنَّ المتَّقينَ في جنَّاتٍ وعيونٍ ادخلوها بسلامٍ آمنينَ ونزعنا ما في صدورهمْ مّنْ غلِّ إخواناً) إخوانا حال من المتقين أو من الضمير المرفوع في "ادخلوها" أو من الضمير في "آمنين" ويجوز أن يكون حالاً مقدرة من الهاء والميم في "صدورهم".