ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ١٣
والقول الآخر التابع لما قبله في الرذالة والآخذ بالحظ الوافر من الاستحالة قول من زعم أن الكاف للقسم بمنزلة الواو. وهذا مما لا تجوز حكايته فضلاً عن تقبله وما علمت في مذهب أحد ممن يوثق بعلمه في النحو بصري ولا كوفي أن الكاف يكون بمنزلة الواو في القسم فلو قال قائل: كالله لأخرجن يريد والله لأخرجن لاستحق أن يبصق في وجهه، ثم أنه قد جعل هذا القسم واقعاً على أول السورة. وجعل ما التي في قوله: (كما أخرجك) بمعنى الواو فقال في حكايته: الأنفال لله والرسول والذي أخرجك. وذا لو كان على ما يلفظ به لوجب أن يكون فاعل أخرجك مضمراً عائداً على الذي وكيف يكون في أخرجك ضمراً عائداً على الذي وكيف يكون في أخرجك ضمير والفاعل ربك فكأنه قيل (له الأنفال لله والرسول والذي أخرجك ربك) ثم تعليقه لهذا الذي زعم أنه قسم بأول السورة يجري مجرى القول الذي قبله في تباعد المتعاقدين. وأما قوله: إن موضع الكاف نصب على أنها نعت لمصدر يجادلونك (فإنه أيضاً قول فاسد لأن قوله: يجادلونك) في الحق معناه: في إخراجك من بيتك وخروجهم معك فلهذا قال: (كأنَّما يساقونَ إلى الموتِ) فيكون المعنى على هذا التأويل: يجادلونك في إخراجك من بيتك جدالاً مثل ما أخرجك ربك من بيتك فهذا تشبيه الشيء بنفسه لأنه تشبيه إخراجه من بيته بإخراجه من بيته. وقوله: إن الكاف يكون نعتاً لمصدر يدل عليه معنى الكلام تقديره: قل الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتاً كما أخرجك، فهذا أيضاً ضعيف التباعد ما بينهما. وأقرب هذه الأقوال إلى الصحة قوله: إن الكاف يكون نعتاً للمصدر الذي هو "حقاً" لأمرين أحدهما تقارب ما بينهما والآخر أن إخراجه من بيته كان حقاً بدلالة وصفه بالحق في قوله: (كما أخرجك ربُّك من بيتك بالحقِ) وإيراد مكي لهذه الأقوال الفاسدة من غير إنكار شيء منها دليل على أنه كان مثل قائليها في عدم البصيرة.
والقول في تحقيق إعراب هذا الحرف أن قوله تعالى: (يسألونكَ عنِ الأنفالِ) الآية في أنفال أهل بدر وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى قلة أصحابه وكراهيتهم للقتال قال ليرغبهم في القتال: من قتل قتيلاً فله كذا ومن أسر أسيراً فله كذا فما فرغ من أهل بدر قام سعد ابن معاذ فقال: يا رسول الله إن نفلت هؤلاء ما سميت لهم بقي كثرة من المسلمين بغير شيء فأنزل الله: (قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله في قسمة المغانم فهي له يصنع فيها ما يشاء) فسكتوا وفي أنفسهم من ذلك كراهية وهو قوله: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره منهم ومن المسلمين فامض لأمر الله في المغانم كما مضيت على مخرجك وهم له كارهون. فموضع الكاف على هذا رفع بأنها مع ما اتصلت به خبر مبتدأ محذوف فالتقدير: كراهيتهم لقسمتك الأنفال كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وأن فريقاً من المؤمنين لكارهون. فقوله: كما أخرجك معناه: مثل إخراجك. وإن قدرت المبتدأ هذا وأشرت به إلى كراهيتهم لقسمة النبي الأنفال فأردت: هذا لكما أخرجكم (معناه مثل إخراجك) ربك من بيتك بالحق فحسن وبالله التوفيق.
ومن أغاليطه في سورة براءة ما قاله في قوله تعالى: (الَّذينَ يلمزونَ المطّوِّعينَ منَ المؤمنينَ في الصَّدقاتِ والَّذينَ لا يجدونَ إلَّا جهدهمْ فيسخرونَ منهمْ) قال: والذين لا يجدون في موضع خفض عطف على المؤمنين ولا يحسن عطفه على المطوعين لأنه لم يتم اسماً بعد لأن "فيسخرون" عطف على "يلمزون" هكذا ذكر النحاس في الإعراب له وهو عندي وهم منه. انتهى كلامه.