ما لم ينشر من الأمالي الشجريه - ابن الشجري - الصفحة ١١
وأقول إنك إذا عطفت على اسم إن قبل الخبر لك يجز في المعطوف إلا النصب نحو: إن زيداً وعمراً منطلقان ولا يجوز أن ترفع المعطوف حملا على موضع إن واسمها لأن موضعهما رفع بالابتداء ومنطلقان خير عنه وعن اسم إن فقد أعملت في الخبر عاملين الابتداء وإن وغير جائز أن يعمل في اسم عاملان وإن لم تثن الخبر فقلت: إن زيداً وعمرو منطلق ففي ذلك قولان: أحدهما أن يكون خبر إن محذوفاً دل عليه الخبر المذكور فالتقدير: إن زيداً منطلق وعمرو منطلق وإلى هذا ذهب أبو الحسن الأخفش وأبو العباس المبرد. والآخر قول سيبويه: وهو أن يكون الخبر المذكور خبر إن وخبر المعطوف محذوفاً فالتقدير: إن زيداً منطلق وعمرو كذلك فالتقدير في الآية على المذهب الأول: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله أي: من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم (والصابئون والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل (صالحاً) فلا خوف عليهم) فحذف الخبر الأول لدلالة الثاني عليه. وعلى المذهب الآخر وهو أن يكون الخبر المذكور خبر وإن وخبر الصابئين والنصارى محذوف كأنه قيل: والصابئون والنصارى كذلك.
المجلس الحادي والثمانون
يتضمن ذكر ما لم نذكره من زلات مكي
فمن ذلك غلطه في قوله في سورة الأنعام: (وكذلكَ نفصّلُ الآياتِ ولتستبينَ سبيلُ المجرمينَ) قال: من قرأ بالتاء ونصب السبيل جعل التاء علامة خطاب واستقبال وأضمر اسم النبي في الفعل. ومن قرأ بالتاء ورفع السبيل جعل التاء علامة تأنيث واستقبال ولا ضمير في الفعل ورفع السبيل بفعله. حكى سيبويه: استبان الشيء واستبنته أنا. فأما من قرأ بالياء ورفع السبيل فإنه ذكر السبيل لأنه مما يذكر ويؤنث ورفعه بفعله ومن قرأ بالياء ونصب السبيل أضمر اسم النبي عليه السلام في الفعل ونصب السبيل لأنه مفعول به. واللام في ("لتستبين" متعلقة بفعل محذوف تقديره) : ولتستبين سبيل المجرمين فصلناها. انتهى كلامه.
وأقول إنه غلط في قوله واستقبال بعد قوله: جعل التاء علامة خطاب وجعل التاء علامة تأنيث لأن مثال تستفعل لا شبه بينه وبين مثال الماضي فتكون التاء علامة للاستقبال، فقولك: تستقيم أنت وتستعين وهي لا يكون إلا للاستقبال تقول: أنت تستقيم غداً وهي تستعين بك بعد غد ولا تقول: تستقيم ولا تستعين أول من أمس بخلاف تفعل لأنك إذا قلت: أنت تبين حديثها وهي تبين حديثك أردت تتبين فحذفت التاء الثانية استثقالاً للجمع بين المثلين متحركين كما حذفت من قوله: (تنزَّلُ الملائكةُ والرُّوحُ فيها) الأصل تتنزل ففعل فيه ما ذكرنا من حذف الثانية ولما حذفت التاء من قولك تتبين صار بلفظ الماضي في قولك: قد تبين الحديث وفي قوله تعالى: (قد تَّبيَّنَ الرُّشدُ منَ الغيّ) فحصل الفرق بين الماضي والمستقبل باختلاف حركة آخرهما ففي هذا النحو يقال للخطاب والاستقبال أو للتأنيث والاستقبال. السبيل مما ذكروه وأنثوه فالتأنيث في قوله تعالى: (قلْ هذهِ سبيليَ) والتذكير في قوله تعالى: (وإن يرواْ سبيلَ الرُّشدِ لا يتخذوهُ سبيلاً وإن يرواْ سبيلَ الغيّ يتخذوهُ سبيلاً) وقال في جنات من قوله عز وجل: (وهوَ الَّذي أنزلَ منَ السَّماءِ ماءً فأخرجنا بهِ نباتَ كلِّ شيءٍ فأخرجنا منهُ خضراً نُّخرجُ منهُ حبّاً متراكباً ومنَ النَّخلِ من طلعها قنوانٌ دانيةٌ وجنَّاتٍ منْ أعنابٍ) من نصب جنات عطفها على نبات وقد روي الرفع عن عاصم على الابتداء بتقدير: لهم جنات ولا يجوز عطفها على قنوان لأن الجنات لا تكون من النخل. أراد أنك لا ترفع جنات بالعطف على قنوان من قوله: (قنوان دانية) لأن القنوان جمع قنو وهو العذق التام ويقال له أيضاً الكباسة فلو عطفت جنات على قنوان صار المعنى: ومن النخل لا تكون من النخل فيه لبس لأنه يوهم أنها لا تكون إلا من العنب دون النخل وليس الأمر كذلك بل قد تكون الجنة من العنب على انفراد وتكون من النخل على انفراد وتكون منهما معاً فدلالة كونها منهما معاً قوله: (أوْ تكونَ لكَ جنَّةٌ من نَّخيلٍ وعنبٍ) . ودلالة كونها من الخل بانفراد قول زهير:
كأن عيني في غربي مقتلة ... من النواضح تستقي جنة سحقا