سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٣٥٦
وَعَمِلَ "تَارِيْخاً" حَافلاً لِبَغْدَادَ ذَيَّل بِهِ وَاسْتدركَ عَلَى الخَطِيْبِ، وَهُوَ فِي مائَتَيْ جُزءٍ يُنْبِئ بِحِفظِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَكَانَ مَعَ حِفْظِهِ فِيْهِ دِيْنٌ وصيانة ونسك.
قَالَ ابْنُ السَّاعِيِّ: اشتَمَلَتْ مَشْيَخَتُهُ عَلَى ثَلاَثَةِ آلاَفِ شَيْخٍ وَأَرْبَع مائَةِ امْرَأَةٍ. عَرَضُوا عَلَيْهِ السَّكْنَى فِي رِبَاطِ شَيْخِ الشُّيُوْخِ فَأَبَى، وَقَالَ: مَعِي ثَلاَثُ مائَةِ دِيْنَارٍ فَلاَ يَحلّ لِي أَنْ أَرتفقَ مِنْ وَقْفٍ، فَلَمَّا فُتِحت المُسْتَنْصِرِيَّةُ، كَانَ قَدِ افْتقر فَجُعِلَ مُشغلاً بِهَا فِي علم الحَدِيْث.
أَلَّفَ كِتَابَ "القَمَرِ المُنِيْرِ فِي المُسْنَدِ الكَبِيْرِ"، فَذَكَر كُلّ صَحَابِيٍّ وَمَا لَهُ مِنَ الحَدِيْثِ، وَكِتَابَ "كَنْزِ الإِمَام فِي السُّنَن وَالأَحكَام"، وَكِتَابَ "المُؤتلفِ وَالمُخْتَلِف" ذَيَّل بِهِ عَلَى الأَمِيْرِ ابْن مَاكُوْلاَ، وَكِتَابَ "الْمُتَّفق وَالمفترق"، وَكِتَابَ "انتسَاب المُحَدِّثِيْنَ إِلَى الآبَاء وَالبُلْدَان"، وَكِتَابَ عَوَالِيهِ، وَكِتَابَ "جَنَّةِ النَّاظرِيْنَ فِي مَعْرِفَةِ التَّابِعِيْنَ"، وَكِتَابَ "العَقدِ الفَائِقِ"، وَكِتَابَ "الكَمَالِ فِي الرِّجَالِ"، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ "ذَيلَ التَّارِيْخِ"، وَلَهُ كِتَابُ "الدُّرَرِ الثَّمِينَةِ فِي أَخْبَارِ المَدِيْنَةِ"، وَكِتَابُ "رَوْضَةِ الأَوْلِيَاءِ فِي مَسْجِدِ إِيليَاءَ"، وَكِتَابُ "نُزهَةِ القِرَى فِي ذكر أُمِّ القُرَى"، وَكِتَابُ "الأَزهَارِ فِي أَنْوَاع الأَشعَار"، وَكِتَابُ "عُيونِ الفَوَائِدِ" سِتَّةُ أَسفَارٍ، وَكِتَابُ "مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ"، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَأَوْصَى إِلَيَّ، وَوَقَفَ كُتُبَهُ بِالنِّظَامِيَةِ، فَنفذ إِلَيَّ الشَّرَابِيُّ مائَةَ دينارٍ لِتجهِيزِ جِنَازَتِهِ. وَرثَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ، وَكَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الدُّنْيَا.
تُوُفِّيَ فِي خَامِسِ شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ.
قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ فِي تَرْجَمَة ابْنِ دِحْيَةَ: لَمَّا دَخَلتُ مِصْرَ طلبني السُّلْطَانُ -يَعْنِي الكَامِلَ- فَحَضَرتُ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَسْأَلنِي عَنْ أَشيَاء مِنَ الحَدِيْثِ وَأَيَّامِ النَّاسِ، وَأَمرنِي بِمُلاَزِمَةِ القَلْعَةِ، فَكُنْت أَحضرُ فِيْهَا كُلَّ يَوْمٍ.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ العَلَوِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ مَحْمُوْدٍ الحَافِظُ، أَخْبَرَنَا عَبْدِ المُعِزِّ بنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا يُوْسُفُ بنُ أَيُّوْبَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ عَلِيٍّ الحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ الحَافِظُ، أَخْبَرَنَا حَبِيْبُ بنُ الحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ أَيُّوْبَ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بنِ الحَكَمِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "من كَتَمَ عِلْماً عَلِمَه، أَلْجَمَهُ اللهُ -تَعَالَى- بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ" [١].
وَأَخْبَرْنَاهُ عَالِياً أَحْمَدُ بنُ هِبَةِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ المُعِزِّ بنِ مُحَمَّدٍ.
وَفِي تَارِيخِ ابْن النَّجَّارِ أَنَّ وَالِدَهُ مَاتَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، وَلَهُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعُوْنَ سَنَةً، وَكَانَ مُقَدَّمَ النّجَارِيْنَ بِدَارِ الخِلاَفَةِ، وكان من العوام.
[١] صحيح: أخرجه الطيالسي "٢٥٣٤"، وابن أبي شيبة "٩/ ٥٥"، وأحمد "٢/ ٢٦٣ و٣٠٥ و٣٤٤ و٣٥٣ و٤٩٥ و٤٩٩ و٥٠٨"، وَأَبُو داود "٣٦٥٨"، والترمذي "٢٦٤٩"، وابن ماجه "٢٦١"، والطبراني في "الصغير" "١/ ٦٠ و١١٤ و١٦٢"، والبغوي "١٤٠" من طرق عَنْ عَطَاءِ بنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هريرة، به مرفوعا.