سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٢٦٣
٥٦٧٣- السيف ١:
العَلاَّمَةُ المُصَنِّفُ فَارِسُ الكَلاَمِ سَيْفُ الدِّيْنِ عَلِيُّ بن أبي علي بن محمد بن سالم التَّغْلِبِيُّ، الآمِدِيُّ، الحَنْبَلِيُّ، ثُمَّ الشَّافِعِيُّ.
وُلِدَ سَنَةَ نَيِّفٍ وَخَمْسِيْنَ.
وَقرَأَ بِآمِدَ القِرَاءاتِ عَلَى عَمَّارٍ الآمِدِيِّ، وَمُحَمَّدٍ الصَّفَّارِ. وَتَلاَ بِبَغْدَادَ عَلَى ابْنِ عَبِيْدَةَ. وَحَفِظَ "الهِدَايَةَ"، وَتَفَقَّهَ عَلَى ابْنِ المَنِّيِّ. وَسَمِعَ مِنِ: ابْنِ شَاتيل، وَغَيْرِهِ، ثُمَّ صَحِبَ ابْن فَضْلاَنَ، وَاشْتَغَل عَلَيْهِ فِي الخلاَف. وَبَرَعَ، وَحَفِظَ طَرِيقَةَ الشَّرِيْفِ، وَنظرَ فِي طَرِيقَةِ أَسْعَدَ المِيْهَنِيِّ، وَتَفنَّنَ فِي حِكْمَةِ الأَوَائِلِ، فَرقَّ دِينُه وَاظلَمَّ، وَكَانَ يَتَوَقَّدُ ذَكَاءً.
قَالَ عَلِيُّ بنُ أَنْجَبَ فِي "أَسْمَاءِ المُصَنِّفِيْنَ": اشْتَغَل بِالشَّامِ عَلَى المُجِيْرِ البَغْدَادِيِّ، ثُمَّ وَردَ إِلَى بَغْدَادَ وَاشْتَغَل بِـ "الشِّفَاءِ" وَبِـ "الشَّامِلِ" لأَبِي المَعَالِي، وَحَفِظَ عِدَّةَ كُتُبٍ وَكرَّر عَلَى "المُسْتَصْفَى"، وَتَبَحَّرَ فِي العُلُوْمِ، وَتَفَرَّدَ بِعِلْمِ المَعْقُوْلاَتِ وَالمَنْطِقِ وَالكَلاَمِ، وَقَصَدَهُ الطُّلاَّبُ مِنَ البِلاَد، وَكَانَ يُوَاسيهِم بِمَا يَقدرُ، ويفهم الطلاب، ويطول روحه.
قُلْتُ: ثُمَّ أَقرَأ الفَلْسَفَة وَالمَنْطِقَ بِمِصْرَ بِالجَامِعِ الظَّافرِيِّ، وَأَعَادَ بِقُبَّةِ الشَّافِعِيِّ، وَصَنَّفَ التَّصَانِيْفَ، ثُمَّ قَامُوا عَلَيْهِ، وَرَمَوْهُ بِالانْحِلاَلِ، وَكتبُوا مَحضراً بِذَلِكَ.
قَالَ القَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: وَضَعُوا خُطُوطَهُم بِمَا يُسْتَباح بِهِ الدَّمُ، فَخَرَجَ مُستخفِياً، وَنَزَلَ حَمَاةَ. وَأَلَّف فِي الأَصْلَيْنِ، وَالحِكْمَةِ المشؤومَةِ، وَالمَنْطِقِ، وَالخلاَفِ، وَلَهُ كِتَابُ "أَبكَارِ الأَفكَارِ" فِي الكَلاَمِ، وَ"مُنتهَى السُّولِ فِي الأُصُوْلِ" وَ"طرِيقَةٌ" فِي الخلاَفِ، وَلَهُ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِيْنَ تَصنِيفاً. ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى دِمَشْقَ، وَدرَّس بِالعَزِيْزِيَّةِ مُدَّة، ثُمَّ عُزِلَ عَنْهَا لِسَبَبٍ اتَّهُم فِيْهِ، وَأَقَامَ بَطَالاً فِي بَيْته.
قَالَ: وَمَاتَ فِي رَابِعِ صَفَرٍ، سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاَثِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَلَهُ ثَمَانُوْنَ سَنَةً.
وَقَالَ سِبْطُ الجَوْزِيِّ: لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ مَنْ يُجَارِيه فِي الأَصْلَيْنِ وَعِلمِ الكَلاَمِ، وَكَانَ يَظهرُ مِنْهُ رِقَّةُ قَلْبٍ وَسُرعَةُ دَمعَةٍ، أَقَامَ بِحَمَاةَ، ثُمَّ بِدِمَشْقَ. وَمِنْ عَجِيبِ مَا يُحَكَى عَنْهُ أَنَّهُ مَاتَتْ لَهُ قِطَّةٌ بِحَمَاةَ، فَدَفَنَهَا، فَلَمَّا سَكَنَ دِمَشْقَ بَعَثَ، وَنَقَلَ عِظَامَهَا في كيس، ودفنها بقاسيون.
١ ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان "٢/ ترجمة ٤٣٢"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "٦/ ٢٨٥" وشذرات الذهب لابن العماد "٥/ ١٤٤، ١٤٥".