سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٢٤٢
ضِعَافُ العُدَدِ وَالخيلِ. التقَى جَلاَلُ الدِّيْنِ التَّتَارَ، فهزمهم، وهلك مقدمهم ابن جنكزخان، فَعظُمَ عَلَى أَبِيْهِ وَقصدَهُ فَالتَقَى الجمعَانِ عَلَى نهر السند، فانهزم جنكزخان ثُمَّ خَرَجَ لَهُ كَمِينٌ فَتفلَّلَ جَمعُ جَلاَلِ الدِّيْنِ وَفَرَّ إِلَى نَاحِيَةِ غَزْنَةَ فِي حَالٍ وَاهيَةٍ، وَمَعَهُ أَرْبَعَةُ آلاَفٍ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، فَتوجَّهَ نَحْو كِرْمَانَ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ مَلِكُهَا، فَلَمَّا تَقَوَّى غدَرَ بِهِ وَقتلَهُ، وَسَارَ إِلَى شِيْرَازَ وَعَسْكَرُهُ عَلَى بَقَرٍ وَحَمِيْرٍ وَمشَاةٌ فَفَرَّ مِنْهُ صَاحِبُهَا، وَجَرَتْ لَهُ أُمُوْرٌ يَطولُ شَرحُهَا مَا بَيْنَ ارْتقَاءٍ وَانخفَاضٍ، وَهَابَتْهُ التَّتَارُ، وَلَولاَهُ لَدَاسُوا الدُّنْيَا. وَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ مُحْيِي الدِّيْنِ ابْنُ الجَوْزِيِّ رَسُوْلاً فَوَجَدَهُ يَقرَأُ فِي مُصحَفٍ وَيَبْكِي، ثُمَّ اعتذَرَ عَمَّا يَفعلُهُ جُندُهُ بِكَثرَتِهِم، وَعَدَمِ طاعتهم، وقد تَقَاذَفَتْ بِهِ البِلاَدُ إِلَى الهِنْدِ ثُمَّ إِلَى كِرْمَانَ ثُمَّ إِلَى أَعْمَالِ العِرَاقِ، وَسَاقَ إِلَى أَذْرَبِيْجَانَ، فَاسْتولَى عَلَى كَثِيْرٍ مِنْهَا، وَغدَرَ بِأَتَابَك أُزبكَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ بلاَدِهِ، وَأَخَذَ زَوجَهُ ابْنَةَ السُّلْطَانِ طُغْرِلَ، فَتَزَوَّجَهَا، ثُمَّ عمِلَ مَصَافّاً مَعَ الكُرْجِ فَطَحَنَهُم، وَقَتَلَ مُلوكَهُم، وَقوِيَ مُلكُهُ، وَكثُرَتْ جُمُوْعُهُ، ثُمَّ فِي الآخِرِ تَلاَشَى أَمرُهُ لَمَّا كَسرَهُ الملكُ الأَشْرَفُ مُوْسَى وَصَاحِبُ الرُّوْمِ بِنَاحيَةِ أَرْمِيْنِيَةَ، ثُمَّ كَبَسَتْهُ التَّتَارُ لَيْلَةً، فَنَجَا فِي نَحْوٍ مِنْ مائَةِ فَارِسٍ، ثُمَّ تَفرَّقُوا عَنْهُ إِلَى أَنْ بَقِيَ وَحْدَهُ، فَأَلَحَّ فِي طَلَبِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ التَّتَارِ فَثَبَتَ لَهُم وَقَتَلَ اثْنَيْنِ فَأَحجَمُوا عَنْهُ، وَصعِدَ فِي جَبلٍ بِنَاحيَةِ آمدَ يَنْزِلُهُ أَكرَادٌ فَأَجَارَهُ كَبِيْرٌ مِنْهُم، وَعرَفَ أَنَّهُ السُّلْطَانُ، فَوَعَدَهُ بِكُلِّ خَيْرٍ، فَفَرحَ الكُرْدِيُّ، وَذَهَبَ لِيُحضِرَ خَيلاً لَهُ وَيُعلِمَ بنِي عَمِّهِ، وَتركَهُ عِنْدَ أُمِّهِ، فَجَاءَ كردِيٌّ فِيْهِ جُرَأَةٌ فَقَالَ: ليش تخلُّوا هَذَا الخُوَارِزْمِيَّ عِنْدَكُم? قِيْلَ: اسكُتْ هَذَا هُوَ السُّلْطَانُ، فَقَالَ: لأَقتُلَنَّهُ فَقَدْ قتل أخي بخلاط، ثم شد عليه بحرية، قَتَلَهُ فِي الحَالِ فِي نِصْفِ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ.
٥٦٤٢- أَبُو مُحَمَّدٍ الرَّوَابطِيُّ:
مِنْ كِبَارِ الزُّهَّادِ بِالأَنْدَلُسِ.
أَخَذَ عَنْهُ ابْنُ مَسْدِيٍّ. وَقَالَ: مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، كَانَ يَسيحُ بِثُغُورِ الأَنْدَلُسِ، يَأْوِي فِي مَسَاجِدِ البِرِّ، لَهُ كَرَامَاتٌ، أُسِرَ إِلَى طرطوشَةَ وَقَيَّدُوْهُ، فَقَامَ النَّصْرَانِيُّ لَيْلَةً فَرَآهُ يُصَلِّي، وَقَيْدُهُ إِلَى جَنْبِهِ، فَتَعَجَّبَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَآهُ فِي رِجْلِهِ، فَرقَبَهُ ثَانِي لَيْلَةٍ فكذلك، فذهب فأخبر القسيس، فَقَالُوا: أَحضِرْهُ، فَجَاءَ بِهِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُ وَبَينهُم مُحَاوَرَةٌ، ثُمَّ قَالُوا: لاَ يَحِلُّ أَنْ نَأْسُرَكَ، فَاذهبْ، وَلطرطوشَةَ نَهْرٌ تُعْمَلُ فِيْهِ السُّفُنَ، فَلَقِيَهُ أَسيرٌ، فَقَالَ: بِاللهِ خُذنِي. فَأَخَذَ بِيَدِهِ، وَخَاضَ إلى نصف الساق، فتعجب النصارى وشاعت القصة.