الطبقات الكبرى - ط العلميه - ابن سعد كاتب الواقدي - الصفحة ١٧٦
أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: وَحَدَّثَنِي مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ. دخل حديث بعضهم في حديث بعض. قالوا: لَمَّا رَأَى الْمُشْرِكُونَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ حَمَلُوا الذَّرَارِيَّ وَالأَطْفَالَ إِلَى الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ عَرَفُوا أَنَّهَا دَارُ مَنَعَةٍ وَقَوْمُ أَهْلِ حَلْقَةٍ وَبَأْسٍ.
فَخَافُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ. وَلَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْحِجَى مِنْهُمْ لِيَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِ. وَحَضَرَهُمْ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ كَبِيرٍ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ مُشْتَمِلٍ الصَّمَّاءَ فِي بَتٍّ. فَتَذَاكَرُوا أَمْرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَشَارَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِرَأْيٍ. كُلُّ ذَلِكَ يَرُدُّهُ إِبْلِيسُ عَلَيْهِمْ وَلا يَرْضَاهُ لَهُمْ. إِلَى أَنْ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَرَى أَنْ نَأْخُذَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ غُلامًا نَهْدًا جَلِيدًا. ثُمَّ نُعْطِيَهُ سَيْفًا صَارِمًا فَيَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ. فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ. فَلا يَدْرِي بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تَصْنَعُ. قَالَ: فَقَالَ النَّجْدِيُّ: لِلَّهِ دَرُّ الْفَتَى! هَذَا وَاللَّهِ الرَّأْيُ وَإِلا فَلا. فَتَفَرَّقُوا عَلَى ذَلِكَ وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ. وَأَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ وَأَمَرَهُ أَنْ لا يَنَامَ فِي مَضْجَعِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. [وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ. عَزَّ وَجَلَّ.
قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ. فَقَالَ أَبُو بكر: الصحابة يا رسول الله؟ فقال رسول الله.
ص: نَعَمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ. ص: بِالثَّمَنِ] . وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ اشْتَرَاهُمَا بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ نَعَمِ بَنِي قُشَيْرٍ. فَأَخَذَ إِحْدَاهُمَا وَهِيَ الْقَصْوَاءُ. وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَبِيتَ فِي مَضْجَعِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. فَبَاتَ فِيهِ عَلِيٌّ وَتَغَشَّى بُرْدًا أَحْمَرَ حَضْرَمِيًّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنَامُ فِيهِ. وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ النَّفْرُ مِنْ قُرَيْشٍ يَتَطَلَّعُونَ مِنْ صِيرِ الْبَابِ وَيَرْصُدُونَهُ يُرِيدُونَ ثِيَابَهُ وَيَأْتَمِرُونَ أَيُّهُمْ يَحْمِلُ عَلَى الْمُضْطَجِعِ صَاحِبَ الْفِرَاشِ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِمْ وَهُمْ جُلُوسٌ عَلَى الْبَابِ. فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ فَجَعَلَ يَذَرُهَا عَلَى رؤوسهم ويتلو: «يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ» يس: ١- ٢. حتى بلغ: «وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» يس: ١٠. وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ قَائِلٌ لَهُمْ: مَا تَنْتَظِرُونَ؟ قَالُوا:
مُحَمَّدًا. قَالَ: خِبْتِمْ وَخَسِرْتُمْ. قَدْ وَاللَّهِ مَرَّ بِكُمْ وذر على رؤوسكم التُّرَابَ. قَالُوا:
وَاللَّهِ مَا أَبْصَرْنَاهُ! وَقَامُوا يَنْفُضُونَ التراب عن رؤوسهم. وَهُمْ: أَبُو جَهْلٍ. وَالْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ. وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ. وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ. وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ. وَابْنُ الْغَيْطَلَةِ. وَزَمْعَةُ بْنُ الأَسْوَدِ. وَطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ. وَأَبُو لَهَبٍ. وَأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وَنُبَيْهٌ