النزاع والتخاصم - المقريزي - الصفحة ٢١ - الأفضلية شرط الخلافة

تاريخ النزاع الحمد لله المعطي ما شاء من شاء لا مانع لعطائه، ولا راد لمراده وقضائه، أحمده بما هو أهله من المحامد، وأشكره على فضله المتزايد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا معاند، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ونبيه وخليله. اللهم صل عليه وعلى آله وصحابته ومحبيه، وأهل طاعته، وسلم، وشرف، وكرم.
أما بعد: فإني كثيرا ما كنت أتعجب من تطاول بني أمية إلى الخلافة مع بعدهم من جذم (١) رسول الله وقرب بني هاشم وأقول: كيف حدثتهم أنفسهم بذلك وأين بنو أمية وبنو مروان بن الحكم طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعينه (٢) من هذا الحديث مع تحكم العداوة بين بني أمية وبني هاشم في أيام جاهليتهما (٣).

(١) - جذم كل شئ: أصله والجمع: أجذام وجذوم، عن لسان العرب.
(٢) - تطهير الجنان لابن حجر: ٧٤ - ٨٤، وكنز العمال: ١١ / ٣٦٣ ح ٣١٧٥٣، والفتوح لابن أعثم: ١ / ٢٢٣، والمطالب العالية: ٤ / ٣٢٩ إلى ٣٣٣ ح ٤٥٢١.
(٣) - نموذج من ذلك:
فضائح بني أمية أخرج ابن أعثم عن هشام بن عبد الملك قصته مع شيخ الكوفة والتي قام الشيخ بذكر تاريخ بني أمية قال الشيخ لهشام: مرحبا بك يا أخا بني أمية، سليت ورب الكعبة غمي، وفرجت عني كربي، كنتم والله يا بني أمية في الجاهلية تربون في التجارة وفي الإسلام عاصين لأهل الطهارة، سيدكم خمار، وأميركم جبار، إن قللتم عن الأربعين لم تدركوا بثار، وإن بلغتموها كنتم بشهادة الرسول من أهل النار، رجالكم يتقلبون في النسبة، ونساؤكم على نساء الأنام سبة، وفيكم الباكي على معلليه، ومنكم مؤوي الطرداء، ونافي الأخيار السعداء الذي اختار القرابة على الصحابة، وصرف المال على أهل النجابة، وفيكم صاحب الراية يوم القليب، وأبو اللعينة ذات العيوب، ومنكم صخر بن حرب فكان في الجاهلية خمارا، وعلى رسول الله مجهزا كفارا، وفي إسلامه رديا منافقا وإلى كل السوءات سابقا، وابنه معاوية لعنه رسول الله لعنات سبعة، منعه الله عز وجل أن ينال بدعوته عليه شبعة، منع أباه من الإسلام وحثه على عبادة الأصنام، ثم قال في الشعر الذي بعث به إلى أبيه يقول:
يا صخر لا تسلمن طوعا فتفضحا * بعد الذين ببدر أصبحوا فرقا خالي وجدي وعم الأم ثالثهم * والمرء حنظلة المهدي لنا الأرقا لا تركنن إلى أمر تقلدنا * والراقصات به في مكة الخرقا فالموت أهون من قول النساء لنا * خلا ابن حرب عن العتبى كذا فرقا ثم إنه بعد ذلك عادى النبي وقاتل الوصي وألحق زيادا الدعي وعهد إلى ابنه الفاسق الردي، وبدل مكان كل سنة بدعة، وجعل لابنه يزيد في إراقة الدماء فسحة وسعة، ونبش قبر حمزة سيد الشهداء، وأجرى فيه الماء عداوة وبغضا، ألحق زياد بن عبيد اللعين بأبي سفيان الخمار، وأزواجه من نسائه ذوات القلائد والخمار، وقد قال النبي: الولد للفراش وللعاهر الحجر... وسلطه على شيعة علي بن أبي طالب ولم يخفق من سوء العواقب. ومنكم عقبة ابن أبي معيط نفاه رسول الله من قريش وسائر العرب وضرب عنقه بين دية علي ذو الحسب، وألبسكم بقتله من بني قريش العار، فقبلتم نسبه فيكم وأزوجتموه وهو علج من أهل صفورية، فادعيتموه وابنه الوليد المحدود في الخمر، صلى بالناس أربعا في الفجر، والظهر في مساجد الله وهو سكران، وقرب أهل الخيانة والغدر فسماه الله في كتابه فاسقا وجعله في الدرك الأسفل منافقا.
ومنكم يا بني أمية الحكم بن أبي العاص الملقب الحياص نفاه رسول الله بعد لعنه إياه وأردفه بابنه وباللعنة ثناه، وفيكم عبد الملك غصب الأبرار واستعان بالفجار، وتهاون بالأخيار، فالحجاج أفضل حسناته والغدر والبحور أقل سيئاته، ثم بقوة الجبابرة في الإسلام أبناء اللعنة والجور في الأحكام، منهم سليمان والوليد وهشام وقبله يزيد، لا نذكر أحدا منهم برأي سديد وما لهم في اللعنة من مزيد خونة غدرة، رموا بيت الله الحرام بالحجارة والعذرة وقتلوا قبل ذلك عشرة العشرة البررة.
وفي نسائكم آكلة الأكباد ومظهرة الفساد والعناد وصويحباتها الناقرات يوم أحد بالدفوف المغنيات وقد دنت الزحوف، فأنتم يا بني أمية الشجرة الملعونة في القرآن لا ينكر ذلك إنس ولا جان ولا أحد من أهل الإيمان، فأولكم ردئ وأوسطكم ذرئ وشريفكم دنئ وآخركم مسئ.
ألا فخذها يا أخا أمية * يكن في قلبك منها كية لا تفخرن بعدها عليه * ما تركت فخرا لكم سمية (الفتوم: ١ / ٢٢٣ - ٢٢٥ خبر هشام).
(٢١)