مرآة العقول - العلامة المجلسي - الصفحة ١٣١ - باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية
وعن رسوله وعن وعيده « لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ » ممن لا يقرون بولاية أمير
______________________________________________________
وبقوله : إنك لمن المرسلين ، على الوجوه الأخر أي أرسلتك إليهم لتنذرهم فإنهم غافلون « لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ » يعني قوله : « لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ » فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، لأنهم ممن علم أنهم لا يؤمنون « إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً » تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم بحيث لا يغني عنهم الآيات والنذر بتمثيلهم بالذين غلت أعناقهم فهي إلى الأذقان ، فالأغلال واصلة إلى أذقانهم فلا يخلهم يطأطئون فهم مقمحون رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم في أنهم لا يلتفتون لفت الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له « وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا » ، الآية وبمن أحاط بهم سدان فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون في مطمورة الجهالة ، ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل « وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ » أي مستور عليهم إنذارك وعدمه ، والإنذار التخويف أريد به التخويف من عقاب الله ، وإنما اقتصر عليه دون البشارة لأنه أوقع في القلب وأشد تأثيرا في النفس من حيث أن دفع الضر أهم من جلب النفع « لا يُؤْمِنُونَ » جملة مفسرة لإجمال ما قبلها فيما فيه الاستواء ، فلا محل لها ، أو حال مؤكدة أو بدل عنه.
والآية مما احتج به من جوز تكليف ما لا يطاق ، والحق أن التكليف بالممتنع لذاته وإن جاز عقلا لكنه غير واقع للاستقراء ، والإخبار بوقوع الشيء أو عدمه لا ينفي القدرة عليه كإخباره تعالى عما يفعله هو أو العبد باختياره وفائدة الإنذار بعد العلم بأنه لا ينجع [١] إلزام الحجة وحيازة الرسول فضل الإبلاغ ، ولذا قال : « سَواءٌ عَلَيْهِمْ » ولم يقل : سواء عليك.
وفي الآية إخبار بالغيب على ما هو به إن أريد بالموصول أشخاص بأعيانهم فهو من المعجزات.
[١] أنجع الطعام وغيره : نفع.