مرآة العقول - العلامة المجلسي - الصفحة ٥٢٦ - حاجة العباد إلى التناصح وحسن التعاون
عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا تثنوا علي بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى الله وإليكم من البقية في حقوق
______________________________________________________
قوله عليهالسلام : « وربما أستحلي الناس » يقال : استحلاه : أي وجده حلوا.
قال ابن ميثم (ره) : هذا يجري مجرى تمهيد العذر لمن أثنى عليه ، فكأنه يقول : وأنت معذور في ذلك حيث رأيتني أجاهد في الله ، وأحث الناس على ذلك ، ومن عادة الناس أن يستحلوا الثناء عند أن يبلوا بلاء حسنا في جهاد أو غيره من سائر الطاعات ، ثم أجاب عن هذا العذر في نفسه. بقولهعليهالسلام : « ولا تثنوا علي بجميل ثناء » أي لا تثنوا علي لأجل ما ترونه مني من طاعة الله ، فإن ذلك إنما هو إخراج لنفسي إلى الله من حقوقه الباقية علي لم أفرغ بعد من أدائها وهي حقوق نعمه وفرائضه التي لا بد من المضي فيها ، وكذلك إليكم من الحقوق التي أوجبها الله علي من النصيحة في الدين ، والإرشاد إلى الطريق الأفضل ، والتعليم لكيفية سلوكه ، وفي خط الرضي (ره) « من التقية » بالتاء والمعنى فإن الذي أفعله من طاعة الله إنما هو إخراج لنفسي إلى الله وإليكم من تقية الحق فيما يجب علي من الحقوق ، إذ كان عليهالسلام إنما يعبد الله لله من غير ملتفت في شيء من عبادته وأداء واجب حقه إلى أحد سواه ، خوفا منه أو رغبة إليه ، وكأنه قال : لم أفعل شيئا إلا وهو أداء حق واجب على ، وإذا كان كذلك فكيف أستحق أن يثني علي لأجل إتيان الواجب بثناء جميل ، وأقابل بهذا التعظيم ، وهذا من باب التواضع لله وتعليم كيفيته ، وكسر النفس عن محبة الباطل والميل إليه انتهى [١].
وقال ابن أبي الحديد : معنى قوله عليهالسلام : « لإخراجي نفسي إلى الله وإليكم » أي لاعترافي بين يدي الله وبمحضر منكم أن علي حقوقا في إيالتكم ورئاستي عليكم لم أقم بها بعد ، وأرجو من الله القيام بها انتهى [٢].
[١] شرح نهج البلاغة لابن ميثم ، ج ٤ ص ٤٦ ـ ٤٧.
[٢] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ١١ ص ١٠٧.