الدعاء حقيقته وآدابه وآثاره - الكعبي، علي موسى - الصفحة ١٧ - الدعاء في البلاء والرخاء
كثيرة ، وكلّها تدلُّ على أنّ التوجه إلى اللّه تعالى في حال الشدة والاضطرار أصيل في فطرة الإنسان وطبيعي في وجوده.
قال رجل للإمام الصادق عليهالسلام : يا بن رسول اللّه ، دلّني على اللّه ما هو؟ فقد أكثر عليَّ المجادلون وحيّروني ، فقال له : « يا عبداللّه ، هل ركبت سفينة قط؟ قال : نعم. قال عليهالسلام: فهل كُسر بك حيث لا سفينة تنجيك ، ولا سباحة تغنيك؟ قال : نعم ، قال عليهالسلام: فهل تعلّق قلبك هنالك أنّ شيئا من الأشياء قادرٌ على أن يخلصك من ورطتك؟ قال : نعم. قال الإمام الصادق عليهالسلام: فذلك الشيء هو اللّه القادر على الانجاء حيث لا منجي، وعلى الاغاثة حيث لا مغيث » [١].
لقد جعل الإمام الصادق عليهالسلام الرجل يعرف اللّه تعالى عن طريق قلبه ، لقد دلّه الإمام عليهالسلام على ذلك الطريق الذي يوصل بين القلب والخالق القادر ، إنّ هذا الاتجاه الفطري الذي يتجلّى عند تقطع الأسباب ويتوجه إلى القدرة القاهرة الغالبة على الأسباب والعلل الظاهرة ، هو الدليل على وجود تلك القدرة ، ولولا وجودها لما وجدت تلك الفطرة في قلب الإنسان.
إنّ التوجه إلى اللّه تعالى في حال الشدّة والاضطرار والتضرع إليه بالدعاء ، أمرٌ غير مرئي بالحواس ، ويمكننا أن نشبّهه بتوجّه غريزي مرئي ومعروف ، ذلك هو ميل الطفل إلى ثدي أُمّه ، هو غريزة تنشأ معه منذ ولادته ، فإذا جاع تحركت فيه هذه الغريزة وهدته إلى البحث عن ثدي أُمّه الذي لم يره ولم يعرفه ولم يتعوّد عليه ، فلولا وجود ثدي ولبن يناسبان
[١] بحار الانوار ٣ : ٤١ / ١٦.