مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠١ - تفسير قوله
ضالاً في هذه الفترة من عمره ، فهداه إلى أسباب السعادة وعرّفه وسائل الشقاء.
والالتزام بالضلالة بهذا المعنى لازم القول بالتوحيد الإفعالي ، فإنّ كل ممكن كما لا يملك وجوده وحياته ، لا يملك فعله ولا هدايته ولا رشده إلاّ عن طريق ربّه سبحانه ، وإنّما يفاض عليه كل شيء منه قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الحَمِيدُ ) [١] ، فكما أنّ وجوده مفاض من الله سبحانه ، فهكذا كل ما يوصف به من جمال وكمال فهو من فيوض رحمته الواسعة ، والاعتقاد بالهداية الذاتية ، وغناء الممكن بعد وجوده عن هدايته سبحانه يناقض التوحيد الإفعالي الذي شرحناه في موسوعة مفاهيم القرآن [٢].
وقد تضافرت الآيات على هذا الأصل ، وأنّ هداية كل ممكن مكتسبة من الله سبحانه من غير فرق بين الإنسان وغيره ، وفي الأوّل بين النبي وغيره ، قال سبحانه : ( قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ) [٣] ، وقال سبحانه : ( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ) [٤] ، وقال سبحانه : ( وَقَالُوا الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ ) [٥] ، وقال سبحانه : ( الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ) [٦] ، وقال تعالى : ( إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ) [٧] ، وقال تبارك وتعالى : ( وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ) [٨] ، إلى غير ذلك من الآيات.
[١] فاطر : ١٥.
[٢] لاحظ الجزء الأوّل : ٢٩٧ ـ ٣٧٦.
[٣] طه : ٥٠.
[٤] الأعلى : ٢ ـ ٣.
[٥] الأعراف : ٤٣.
[٦] الشعراء : ٧٨.
[٧] الزخرف : ٢٧.
[٨] سبأ : ٥٠.