مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٠ - ما معنى قوله
أضف إلى ذلك : أنّ وسوسة الشيطان في صدور الناس إنّما هي بصورة النفوذ في قلوبهم والسلطان عليهم بنحو يؤثر فيهم ، وإن كان لا يسلب عنهم الاختيار والحرية ، ويؤيد كون الوسوسة بصورة النفوذ ، الإتيان بلفظة « في » في قوله سبحانه : ( يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) ، وأمّا [١] وسوسة الشيطان بالنسبة إلى أبي البشر فلم تكن بصورة النفوذ والتسلّط بشهادة تعديته بلفظة « لهما » أو « إليه » [٢]. وهذا التفاوت في التعبير يفيد الفرق بين الوسوستين ، وأنَّ إحداهما على نحو الدخول والولوج في الصدور ، والأُخرى بنحو القرب والمشارفة.
٣. ماذا يراد من قوله : ( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ ) ؟وأمّا قوله سبحانه : ( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا ) [٣] وقوله : ( فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءاتُهُمَا ) [٤] ، فلا يدلاّن على كون العمل الصادر منهما عصياناً بالمعنى المصطلح ، وأمّا التعبير الوارد في الآية فهو لأجل أنّ عمل آدم لم يكن مقروناً بالمصلحة ، بل كان مقروناً بالشقاء والبعد عن الحياة السعيدة ، فكل من افتقد هذه البركات والمصالح يصدق عليه أنّه « زلَّ » أو « انّ الشيطان أنزلهما عن مكانتهما بغرور ».
وبالجملة : انّ هذه التعابير تجتمع مع كون النهي إرشادياً غير مولوي ، أو نهياً مولوياً تنزيهياً كما هو المقرر في الجوابين الأوّلين.
٤. ما معنى قوله : ( وَعَصَىٰ ) و ( فَغَوَىٰ ) ؟ربّما يتمسك المخالف بهذين اللفظين ، حيث قال سبحانه : ( وَعَصَىٰ آدَمُ
[١] الناس : ٥.
[٢] الأعراف : ٢٠ ؛ طه : ١٢٠.
[٣] البقرة : ٣٦.
[٤] الأعراف : ٢٢.