مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٩ - ما معنى وسوسة الشيطان لآدم ؟
سبحانه : ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ ) [١] ، وعندئذ يتساءل : انّ تطرق الوسوسة إلى آدم من جانب الشيطان ، كيف تجتمع مع ما حكاه سبحانه من عدم تسلّط الشيطان على عباد الله المخلصين إذ قال : ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) [٢] ، وقال سبحانه حاكياً قول إبليس : ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ ) [٣] ؟
والجواب عن ذلك : انّ المراد من ( المُخْلَصِينَ ) هم الذين اجتباهم الله سبحانه من بين خلقه ، قال تعالى مشيراً إلى ثلة من الأنبياء : ( أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ) [٤] ، وقال سبحانه مشيراً إلى طائفة من الأنبياء : ( وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) [٥].
فإذا كان المخلصون هم الذين اجتباهم الله سبحانه بنوع من الاجتباء ، لم يكن آدم عليهالسلام يوم خالف النهي من المجتبين ، وانّما اجتباه سبحانه بعد ذلك قال سبحانه : ( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ) [٦] وعلى ذلك فوسوسة الشيطان لآدم لا تنافي ما ذكره سبحانه في حق المجتبين ، وانّ الشيطان ليس له نصيب في حق تلك الصفوة وليس له طريق إليهم.
[١] طه : ١٢٠.
[٢] الحجر : ٤٢.
[٣] ص : ٨٢ ـ ٨٣.
[٤] مريم : ٥٨.
[٥] الأنعام : ٨٧.
[٦] طه : ١٢١ ـ ١٢٢.