بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٥ - كلام الله غير مخلوق أو قديم
يسمع ، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه ، أنشأه ومثله ، لم يكن من قبل ذلك كائناً ، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً ». [١]
وثانياً : نحن نختار الشق الثاني ، ولا يلزم التسلسل ، ونلتزم بأنّ هنا قولاً سابقاً على القرآن هو غير مخلوق ، أوجد به سبحانه مجموع القرآن وأحدثه ، حتّى كلمه « كن » الواردة في تلك الآية ونظائرها ، فتكون النتيجة حدوث القرآن وجميع الكتب السماوية وجميع كلمه وكلامه إلاّ قولاً واحداً سابقاً على الجميع ، فينقطع التسلسل بالالتزام بعدم مخلوقية لفظ واحد ، فتدبر.
وثالثاً : كيف يمكن أن تكون كلمة « كن » الواردة في الآية وأمثالها قديمة ، مع أنّها إخبار عن المستقبل فتكون حادثة. يقول سبحانه مخبراً عن المستقبل : ( إنّما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) ولأجل ذلك التجأ المتأخرون من الأشاعرة إلى أنّ لفظ « كن » حادث ، والقديم هو المعنى الأزلي النفساني. [٢]
الثاني : قوله سبحانه : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَيَطْلُبُهُ حَثيثاً والشَّمْسَ وَالْقَمَرَوَالنُّجُومَ مُسَخَّرات بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ الله رَبُّ الْعالَمينَ). [٣]
قال الأشعري : « فالخلق » جميع ما خلق داخل فيه ، ولما قال« الأمر » ذكر أمراً غير جميع الخلق. فدلّ ما وصفناه على أنّ الله غير مخلوق. وأمّا أمر الله فهو كلامه.
وباختصار : انّه سبحانه أبان الأمر من الخلق ، وأمر الله كلامه ، وهذا
[١] نهج البلاغة : الخطبة ١٨٦.
[٢] دلائل الصدق حاكياً عن ابن روزبهان الأشعري : ١/١٥٣.
[٣] الأعراف : ٥٤.