بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٢ - استدلاله على وحدانية الصانع
وحدة الصانع والخالق ، بل الآية تركّز على وحدة التدبير في العالم ، وأنّ مدبّر العالم إله واحد لا غير. والبرهان القرآني على وحدة التدبير جاء ضمن آيتين تتكفّل كلّ واحدة منهما ببيان بعض شقوق البرهان. وإليك الآيتان مع توضيح البرهان :
١ ـ ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ الله لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ الله رَبّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ ). [١]
٢ ـ(وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض سُبْحانَ الله عَمّا يَصِفُونَ )[٢]
توضيح البرهان بجميع شقوقه
إنّ تصوير تعدّد المدبّر للعالم يفترض على صور :
١ ـ أن يتفرد كلّ واحد من الآلهة المفترضة بتدبير مجموع الكون باستقلاله بمعنى أن يعمل كلّواحد ما يريده في الكون دون منازع ، ففي هذه الصورة يلزم تعدّد التدبير لأنّ المدبّر متعدد ومختلف في الذات ، ونتيجة تعدّد التدبير طروء الفساد على العالم وذهاب الانسجام المشهود ، وإليه يشير قوله سبحانه : (لَو كانَ فِيهِما آلهة إِلاّ الله لَفَسدتا ... ).
٢ ـ أن يدبر كلّ واحد قسماً من الكون الذي خلقه ، وعندئذ يجب أن يكون لكلّ جانب من الجانبين نظام مستقل خاص مغاير لنظام الجانب الآخر وغير مرتبط به ؛ وهذا الفرض يستلزم انقطاع الارتباط وذهاب الانسجام من الكون ، والحال أنّا نرى في الكون نوعاً واحداً من النظام شاملاً لكلّ جوانب الكون من الذرة إلى المجرة ، وإلى هذا القسم من البرهان يشير قوله سبحانه في الآية الأُخرى ( إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ ).
٣ ـ أن يتفوّق أحد الآلهة المفترضة على البقية فيوحّد جهودهم وأعمالهم ،
[١] الأنبياء : ٢٢.
[٢] الأنبياء : ٩١.