بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٥ - الاستطاعة مع الفعل لا قبله
٢ ـ الآيات الصريحة في أنّه سبحانه لا يكلّف الإنسان إلاّ بمقدار قدرته وطاقته ، قال سبحانه : (لا يُكَلّفُ الله نَفساً إِلاّ وُسْعَها). [١] وقال تعالى : (وَما رَبُّكَ بِظَلاّم لِلْعَبيدِ). [٢] وقال عزّ من قائل : (ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحدا). [٣]
والظلم هو الإضرار بغير المستحق ، وأيّ إضرار أعظم من هذا ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
ومع هذه البراهين المشرقة سلك الأشعري غير هذا الصراط السوي ، وجوز التكليف بمالا يطاق ، واستدلّ عليه بالآيات التالية :
١ ـ(أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزينَ فِي الأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ أَولياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ) [٤] وقد أُمروا أن يسمعوا الحقّ وكلّفوه ، فدلّ ذلك على جواز تكليف مالا يطاق ، وأنّ من لم يقبل الحقّ ولم يسمعه على طريق القبول لم يكن مستطيعاً.
٢ ـ (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَها عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسماءِ هؤلاءِإِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ )[٥] قال : الآية تدل على جواز تكليف ما لا يطاق ، فقد أُمروا بإعلام وهم لا يعلمون ذلك ولا يقدرون عليه.
٣ ـ(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساق وَيُدْعَونَ إِلى السُّجُود فَلا يَسْتَطيعُونَ* خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَونَ إِلى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ) [٦] قال : فإذا جاز تكليفه إيّاهم في الآخرة مالا يطيقون ، جاز ذلك في الدنيا.
[١] البقرة : ٢٨٦.
[٢] فصلت : ٤٦.
[٣] الكهف : ٤٩.
[٤] هود : ٢٠.
[٥] البقرة : ٣١.
[٦] القلم : ٤٢ ـ ٤٣.