بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣٠ - رؤية الله بالأبصار
( الأوّل ) : أنّ الآية في مقام المدح ، فلو لم يكن جائز الرؤية لما حصل التمدّح بقوله : لا تدركه الأبصار ألا ترى أنّ المعدوم لا تصحّ رؤيته ، والعلوم والقدرة والإرادة والروائح والطعوم ، لا تصحّ رؤية شيء منها ، ولا مُدح شيء منها في كونها لا تدركها الأبصار ، فثبت أنّ قوله : لا تدركه الأبصار يفيد المدح ، ولا يصحّ إلاّ إذا صحت الرؤية.
يلاحظ عليه :
أوّلاً : لو كان المدح دليلاً على إمكان الرؤية فليكن المدح في الآية التالية دليلاً على إمكان ما ذكر فيها ، قال سبحانه : (وَقُلِ الْحَمْدُ للّهِ الَّذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبيراً). [١] فلو دل سلب شيء عن شيء على إمكان ثبوته له ، لدلت الآية على جواز اتخاذه الولد والشريك ، ممّا يعد مستحيلاً في نفسه عليه تعالى.
وثانياً : أنّ المدح ليس بالجزء الأوّل وهو لا تدركه الأبصار بل بمجموع الجزءين المذكورين في الآية ، واللّ هـ سبحانه جلّت عظمت هـ يدرك ، ولكن لعلوّ شأنه ، ومقامه لا يُدرك.
( الثاني ) : أنّ لفظ الأبصار ، صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهي تفيد الاستغراق بمعنى أنّه لايدركه جميع الأبصار ، وهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب.
يلاحظ عليه : أنّ المتبادر في المقام هو الثاني لا الأوّل ، وأيّ عبارة أصرح من الآية في الدلالة على أنّه لا يدركه أحد من جميع ذوي الأبصار من مخلوقاته ، وأنّه تعالى يدركهم ، وهذا هو المفهوم من نظائره.
قال سبحانه : (إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتدين) [٢] ، وقال سبحانه : (فَإِنَّ
ــــــــــــــــــ
[١] الإسراء : ١١٠.
[٢] البقرة : ١٩٠.