بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٢١ - رؤية الله بالأبصار
غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَومَ حَديدُ). [١] والمراد من كشف الحجب هو وصول الإنسان في الإذعان والإيمان إلى حد لا يبقى معه أيّ شك وتردد.
إنّ الإنسان في المشهد الأخروي يبلغ مبلغاً من الكمال ، يدرك حضوره عند خالقه وبارئه ، وذلك نفس حقيقةوجود الممكن وواقعيته ، إذ لا حقيقة للوجود الإمكاني إلاّ قوامه بعلّته ، وتعلّقه بموجده ، تعلّق المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي ، والإنسان في ذلك المشهد يجد نفسه حاضرة عند بارئها حضوراً حقيقياً كما يجد ذاته حاضرة لدى ذاته ، والعلم الحضوري لا يختصّ بالعلم بالذات ، بل يعم العلم بالموجد الذي هو قائم به.
وباختصار : فرقٌ بين أن يتصوّر الإنسان تعلّقه ببارئه ، وبين أن يجد تلك الواقعة التعلقية بوجودها الخارجي. فذلك الحضور والشهود ، شهود بين القلب ، وحضور بتمام الوجود ، لا يصل الأوحدي في الدنيا ، كما يصل إليه الإنسان في المشهد الأُخروي.
وإلى ذلك يشير ما روي عن أمير المؤمنين علي عليهالسلام حين جاءه حبر وقال له : يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك حين عبدته؟ فقال : ويلك ، ما كنت أعبد ربّاً لم أره. قال : وكيف رأيته؟ قال : ويلك ، لا تدركه العيون بمشاهدة الأبصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان. [٢]
ونظيره ما روي عن أبي جعفر عليهالسلام حيث سئل عن أيّ شيء يعبد؟ قال : « الله تعالى ». فقيل له : رأيته؟ قال : « لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ، لا يعرف بالقياس ، ولا يدرك بالحواس ، ولا يشبه بالناس ، موصوف بالآيات ، معروف بالعلامات ، لا يجور في حكمه ، ذلك الله لا إله إلاّ هو ». فخرج السائل وهو يقول : الله أعلم حيث يجعل رسالته. [٣]
[١] ق : ٢٢.
[٢] الكافي : ١ ، كتاب التوحيد ، باب في إبطال الرؤية ، الحديث ٦.
[٣] المصدر السابق ، الحديث٥.