بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٧ - حياة الإمام الأشعري
وهذا بخلاف ما في « اللمع » فإنّه أضاف فيه إلى خالقيّة الرب ، كاسبيّة العبد وقال : « إن الله هو الخالق ، والعبد هو الكاسب » وبذلك عالج مشكلة الجبر وخرج من مغبته ، وصحّح مسؤولية العبد لأجل الكسب.
هذه مميزات كتاب « الإبانة » وخصوصياته ، وماجاء فيه من الأُصول ، وجميعها يؤيد أنّه قد أُلّف لغاية نصرة مذهب أحمد بن حنبل ، والذي كان يمثل نظرية أهل الحديث والمحدّثين جميعاً.
وأمّا « اللمع » فقد طرح فيه مسائل ، أهملها في « الإبانة » نشير إلى بعضها :
١ ـ مسألة التعديل والتجويز
إنّ لتلك المسألة دوراً عظيماً في تمييز المنهج الأشعري عن المعتزلي ، ولبّ المسألة يرجع إلى إثبات التحسين والتقبيح العقليين وإنكارهما ، فالمعتزلة على الأوّل والأشعري وأشياعه على الثاني ، و ـ لأجل ذلك ـ أنكروا توصيفه سبحانه بالعدل بالمفهوم المحدد عند العقل ، بل قالوا إنّ كلّ ما يفعله فهو عدل سواء أكان عند العقل عدلاً أم جوراً ، وقد ركّز على ذلك الأشعري في « اللمع » حتى قال : يصحّ لله سبحانه أن يؤلم الأطفال في الآخرة. وهو عادل إن فعله. وكذلك كلّ ما يفعله حتى تعذيب المؤمنين وإدخال الكافرين الجنان ، وإنّما نقول لا يفعل ذلك ، لأنّه أخبرنا أنّه يعاقب الكافرين. وهو لا يجوز عليه الكذب في خبره. [١]
ولكنّه لم يُعلَم إلى الآن أنّ الشيخ من أين علم أنّه لا يجوز عليه تعالى الكذب؟ فإن علم ذلك من إخباره سبحانه بأنّه لا يكذب ، فننقل الكلام إلى إخباره هذا ، فمن أين نعلم أنّه سبحانه لا يكذب في إخباره هذا ( إنّه لا يكذب ) فإنّه كما يحتمل الكذب في سائر إخباره ، يحتمل حتى في نفس هذا الإخبار ؛ وإن علم من حكم العقل بأنّ الكذب قبيح ، والقبيح لا يجوز
[١] اللمع : ١١٦.