بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٦ - حياة الإمام الأشعري
ومع ذلك لم يتفطن لظاهر قوله سبحانه : (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) [١] وقوله : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَة إِلاّهُوَ رابِعُهُمْ [٢] والآيتان تنافيان البينونة الكاملة التي يدّعيها الأشعري.
ج. ويستدلّ على أنّ الله في السماء بما روي عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه سأل جارية فقال لها : أين الله؟ قالت : في السماء. فقال : فمن أنا؟ قالت : أنت رسول الله. فقال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم للرجل الذي كان بصدد عتقها : أعتقها فإنّها مؤمنة. [٣]
د. ويقول : إنّه سبحانه يضع السماوات على اصبع ، والأرضين على إصبع ، كما جاءت الرواية عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من غير تكييف [٤] ويكتفي في نفي التجسيم بكلمة مجملة ، أعني قوله : « من غير تكييف ».
٤ ـ إنّ الشيخ في « الإبانة » يصرّح بأنّه لا خالق إلاّ الله ، وأنّ أعمال العبيد مخلوقة لله مقدورة ، كما قال : (وَاللّهُ خَلَقكُمْ وَما تَعْمَلُونَ )[٥] ، وأنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً وهم يُخْلَقُون. [٦]
ومن المعلوم أنّ القول بأنّ فعل العبد مخلوق لله لا ينفك عن الجبر وسلب الاختيار عن الفاعل ، لأنّ الفعل إذا كان مخلوقاً له سبحانه ، وكان هو الموجد والمحقّق ، فما معنى كون العبد مسؤولاً عن فعله ـ خيره وشره ـ ؟
ولمّا كان أهل الحديث معتقدين بهذا ( مع كونه نفس الجبر ) أبقاه بحاله ، ولم يشر في كتاب « الإبانة » إلى شيء يعالج تلك المسألة العويصة.
[١] الحديد : ٤.
[٢] المجادلة : ٧.
[٣] الإبانة : ٩٣ والحديث أخرجه مسلم باب تحريم الكلام في الصلاة : ٢/٧١ ، ط مصر.
[٤] الإبانة : ٢٢ أخرجه البخاري : ٩/١٢٣ في تفسير قوله : لماخلقت بيدي.
[٥] الصافات : ٩٦.
[٦] الإبانة : ٢٠ الأصل ١٧.