بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٧ - الاستطاعة مع الفعل لا قبله
إنّ الآيات الكريمة صريحة في أنّ عمل الإنسان وتماديه في الغي ينتهي إلى صيرورة الإنسان أعمى وأصم وأبكم ، قال سبحانه : (فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ الله قُلُوبَهُمْ). [١]
وقال سبحانه : (وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاّ الفاسِقينَ). [٢]
وعلى ذلك فالآية التي استدلّ بها الشيخ ، نظير قوله سبحانه : (خَتَمَ الله عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِم وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ )[٣] وقوله سبحانه : (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوّل مَرَّة). [٤]
ولكن كل ذلك في نهاية حياتهم بعد تماديهم في الغي.وأمّا في ابتداء حياتهم فقد أعطى للجميع قدرة الإبصار والاستماع والتفكّر والتعقّل. قال سبحانه : (وَاللّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )[٥] ولكن الإنسان ربما يبلغ به الغي إلى درجة ينادي فيها ويقول : (لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أَصْحابِ السَّ عيرِ*فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصحابِ السَّعيرِ). [٦]
وباختصار ، الآية تحكي عن عدم استطاعتهم السمع ، ولكن السبب في حصول هذه الحالة لهم ، هو أنفسهم باختيارهم ، وهذا لا ينافي وجود الاستطاعة قبل التمادي في الغي ، وما يتوقّف عليه التكليف هو القدرة الموجودة قبل سلبها عن أنفسهم.
ومن القواعد المسلّمة في علم الكلام قولهم : « الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ».
[١] الصف : ٥.
[٢] البقرة : ٢٦.
[٣] البقرة : ٧.
[٤] الأنعام : ١١٠.
[٥] النحل : ٧٨.
[٦] الملك : ١٠ ـ ١١.