بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٦ - كلام الله غير مخلوق أو قديم
يوجب أن يكون كلام الله غير مخلوق. [١]
يلاحظ عليه : أنّ الاستدلال مبني على أنّ « الأمر » في الآية بمعنى كلام الله ، وهو غير ثابت ، بل القرينة تدلّ على أنّ المراد منه غير ذلك ، كيف وقد قال سبحانه في نفس الآية : والنُّجُوم مُسَخَّرات بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الخَلْق وَالأَمْر والمراد من اللفظين واحد ، والأوّل قرينة على الثاني. وهدف الآية هو أنّ الخلق بمعنى الإيجاد وتدبير الموجد كلاهما من الله سبحانه ، وليس شأنه سبحانه خلق العالم والأشياء ثمّ الانصراف عنها وتفويض تدبيره إلى غيره ، حتّى يكون الخلق منه ، والتدبير على وجه الاستقلال من غيره ، بل الكلّ من جانبه سبحانه.
وباختصار : المراد من الخلق هو إيجاد ذوات الأشياء ، والمراد من الأمر ، النظام السائد عليها : فكأنّ الخلق يتعلّق بذواتها ، والأمر بالأوضاع الحاصلة فيها والنظام الجاري بينها. وتدلّ على ذلك بعض الآيات التي يذكر فيها « تدبير الأمر » بعد الخلق.
يقول سبحانه : (إِنَّ رَبّكُمُ الله الَّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ما مِنْ شَفيع إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِه). [٢]
وقال تعالى : (اللّهُ الَّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَونها ثُمَّ اسْتَوى عَلى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لأَجَل مُسَمّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ). [٣]
فليس المراد من الأمر ما يقابل النهي ، بل المراد الشؤون الراجعة إلى التكوين ، فيكون المقصود إنّ الإيجاد أوّلاً ، والتصرف والتدبير ثانياً ، منه سبحانه ، فهو الخالق المالك لا شريك له في الخلق والإيجاد ، ولا في الإرادة والتدبير.
ـــــــــــــــــ
[١] الإبانة : ٥١ ـ ٥٢.
[٢] يونس : ٣.
[٣] الرعد : ٢.