بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٣ - الاستطاعة مع الفعل لا قبله
أَرادُوا الخُروجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّة ). [١]
وقد فسر الشيخ الإستطاعة بالمال ، وقال : إنّهم كانوا يجدون المال ، وكانت المحاورة بينهم وبين النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في الجدة ، وإذا كان كذلك فنحن لا ننكر تقدّم المال للفعل ، وإنّما أنكرنا تقدّم استطاعة السلوك للفعل. [٢]
يلاحظ عليه : أنّ هؤلاء الواجدين للمال لم يكونوا خارجين عن حالتين : الصحّة والسلامة ، المرض والضعف.
فعلى الأوّل كانت الاستطاعة بعامة أجزائها موجودة قبل الفعل ، أعني : الخروج إلى الجهاد ، وعلى الثاني لم يكونوا مخاطبين بالخروج إلى الجهاد لقوله سبحانه : (وَلاَ عَلى المَريضِ حَرَجٌ). [٣]
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي هي ظاهرة في تقدّم الاستطاعة على الفعل ، وقد أتعب الشيخ نفسه في تأويل هذه الآيات بما لا يرضى به من له إلمام بتفسير الآيات وتوضيحها.
والعجب أنّ الشيخ يتهجّم على المعتزلة تبعاً لأهل الحديث ، لتأويلهم الآيات والروايات الظاهرة في أنّ لله يداً ووجهاً ورجلاً ، مع أنّه يتكلّف التأويل في هذا الباب عند تفسير كثير من الآيات الظاهرة في خلاف ما تبنّاه.
وإن كنت في شكّ ممّا ذكرنا فلاحظ تأويله قوله سبحانه ، في قصة سليمان حكاية عن عفريت من الجن : (قالَ يا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُوني مُسْلِمينَ* قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أَنَا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَليهِ لَقَويٌّ أَمينٌ). [٤]
فانظر صراحة الآية في أنّ العفريت يصف نفسه بالقوة والاستطاعة قبل أن يفعل.
[١] التوبة : ٤٦.
[٢] اللمع : ١٠٦.
[٣] النور : ٦١.
[٤] النمل : ٣٨ ـ ٣٩.