كشف الغطاء عن وجوه مراسم الاهتداء - القزويني، محمد حسن - الصفحة ١٩٦ - فصل في هضم النفس واستحقارها
عزّوجلّ : ( وعباد الرحمن الّذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ). [١] وقد أمر الله تعالى خير خلقه وسيّد بريّته محمّداً صلىاللهعليهوآله بالتواضع فقال : ( واخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمن ) ، [٢] والتواضع مزرعة الخضوع والخشوع والحياء والخشية ، وأنّهنّ لايأتين [٣] الا منها ، ولايسلم الشرف التامّ الحقيقي الا للمتواضع في ذات الله ». [٤]
ومنه يظهر أانّ ما شاع في عصرنا هذا من شدّة الخضوع الخشوع والتذلّل بالنسبة إلى أهل الدول والأغنياء والحكّام وغيرهم من أهل الدنيا ولاسيّما من العلماء وتسميتها تواضعاً [ خطأ و ] [٥] تدليس ، بل هي مكر وتلبيس ، وهي التملّق والتذلّل المذموم الواقع في طرف التفريط من فضلية التواضع ، وإنّما التواضع الذي هوالعدل حقيقة إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه ، فتواضع العالم لمثله إذا ورد عليه القيام له وتخلية مجلسه وحفظ مراسم الأدب بالنسبة إليه ، ولو فعل ذلك للأغنياء وأهل الدول كان تملّقاً مذموماً ، ولو فعله للسوقي كان تخاسّاً وتذلّلاً ، وإنّما تواضع السوقي باليسر من الكلام واللين والرفق معه في المكالمة ، وإجابة دعوته والسعي في قضاء حاجته ، [ وأن لاينظر إليه بعين الحقارة ، وأنّ له مزيّة ] [٦] وأمثال ذلك.
وتواضعه للمتكبّرين من أهل الدول بالكبر عليهم كما ورد في الخبر [٧] ، إذا الانكسار لهم مع كونه تملّقاً مذموماً إعانة لهم على عدوانهم وتثبيت لهم على تكبّرهم ومبالغتهم في صفتهم المذمومة ، فلعلّ في التكبّر عليهم يحصل لهم التنبّه على خطائهم الباعث على تركهم له.
١ ـ الفرقان : ٦٣٣.
٢ ـ الشعراء : ٢١٥.
٣ ـ كذا ، وفي مصابح الشريعة : « لاينتن الا منها وفيها ».
٤ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٢٥٥ نقلاً عن مصابح الشريعة (الباب ٥٨).
٥ ـ كما في « الف ».
٦ ـ كما في « ب ».
٧ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٢٢٢.